تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

هل ينجح ماكرون في "تخضير" الاقتصاد الفرنسي في أقل من سنتين وكيف؟

سمعي
ماكرون سعى إلى أن يكون محامي البيئة في المحافل الدولية
ماكرون سعى إلى أن يكون محامي البيئة في المحافل الدولية © إذاعة فرنسا الدولية
13 دقائق

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية يونيو-حزيران عام2017 عن قراره القاضي بإخراج بلاده من اتفاق باريس حول المناخ، سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان آنذاك في بداية عهده بالسلطة في موقع رئيس الجمهورية الفرنسية إلى الظهور بمظهر المدافع الأول عن البيئة. وحرص على ذلك لعدة أسباب منها أن خروج الولايات المتحدة الأمريكية الذي يمكن أن يتم في حال إعادة انتخاب ترامب في نوفمبر 2020 من شأنه إضعاف اتفاق باريس الذي كان قد أبرم في ديسمبر –كانون الأول عام 2015. وهذا الاتفاق مهم جدا لأنه يعد أول اتفاق دولي يشرك البلدان المتقدمة والبلدان ذات الاقتصادات الناشئة والبلدان النامية في الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي الاقتصادية والبيئية.

إعلان

وتكمن أهمية اتفاق باريس حول المناخ أيضا في كونه يجعل من العمل المتعدد الأطراف على المستوى الدولي أداة جوهرية من أدوات تفعيل الاتفاق والسعي إلى تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ بنوده على نحو يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية من جهة والاعتبارات البيئية من جهة أخرى.

ماكرون محامي البيئة في بداية مدته الرئاسية

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان ولايزال مدافعا شرسا عن الطرح الداعي لتعزيز العمل المتعدد الأطراف لمواجهة المشاكل السياسية والاقتصادية والبيئية التي تُطرح بين هذا البلد وذاك أوبين هذا التكتل السياسي أو الاقتصادي وذاك. ومن ثم فإنه وجد في حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التنكر لاتفاق باريس ومحاربته فرصة للظهور بمظهر المحامي عنه. ولكن المهتمين بشؤون البيئة لاحظوا شيئا فشيئا أن النوايا الحسنة التي كان الرئيس الفرنسي يعرب عنها تجاه القضايا البيئية عموما لم تُقرن بمبادرات ملموسة على المستوى الوطني والعالمي.

والحقيقة أن حركة "السترات الصفر" الاحتجاجية التي بدأت في فرنسا في خريف عام 2018 والتي تم تخمد نيرانها بعدُ في يوليو عام 2020 وضعت الرئيس الفرنسي في موضع حرج للغاية. فقد انطلقت هذه الحركة في مناطق فرنسا الداخلية بعد أن فرضت السلطات الفرنسية ضريبة على الوقود في إطار الجهود الرامية للحد من التلوث والانبعاثات الحرارية التي يفرزها أساسا قطاع النقل عبر السيارات الخاصة.

أين هي العدالة المناخية في سياسة ماكرون؟

والملاحظ أن هذا الإجراء اتخذ على خلفية تصاعد موجة الاحتجاجات الشبابية العالمية التي كانت الناشطة السويدية الشابة غريتا ثامبرغ وراءها والتي تحمل بشدة على أصحاب القرارات السياسية والاقتصادية والمستهلكين وتدعوهم لمراجعة طرق الإنتاج والاستهلاك للحفاظ على كوكب الأرض من التلوث وانعكاسات التغير المناخي السلبية. وكان المشاركون في هذه الاحتجاجات يرددون أن سوء التدبير السياسي وغياب الرؤية الملائمة التي يتم التوفيق عبرها بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات البيئية عاملان يقودان حتما إلى نهاية الكون. ولكنهم رفعوا خلال أيضا خلال مظاهراتهم الاحتجاجية شعارا يقول إن العمل على الحيلولة دون نهاية الكون ينبغي قبل كل شيء أن يقوم على عدالة مناخية لا بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية فحسب بل أيضا داخل كل بلد. فلا يُعقل أن ترفض ضريبة الكربون على أشخاص يُضطرون إلى ركوب سياراتهم للبحث عن لقمة العيش. ولا يُعقل أن يُطلب من المواطنين ذوي الدخل المحدود المساهمة في الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي إذا كانت الدولة لا تساعدهم في عدة مسائل منها ترشيد استخدام الطاقة شراء منتجات غذائية خالية من المواد الكيميائية بأسعار معقولة.

(في الوسط )الناشطة السويدية غريتا ثامبرغ ساعدت على توعية الناس في أوروبا والعالم بأهمية قضايا التغير المناخي
(في الوسط )الناشطة السويدية غريتا ثامبرغ ساعدت على توعية الناس في أوروبا والعالم بأهمية قضايا التغير المناخي © رويترز

 

لجنة " مؤتمر المواطنين حول المناخ "

في هذا السياق، قَبِل رئيس الدولة الفرنسية في مسعى لتحسين أداء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يمثل مبدئيا المنظمات المهنية والمدنية بمقترح يدعو لإطلاق لجنة تتكون من 150 شخصا يتم اختيارهم بواسطة القرعة ولكن عبر مقاييس ومؤشرات تأخذ في الحُسبان تنوع المجتمع الفرنسي. وأُطلقت على اللجنة تسمية "مؤتمر المواطنين حول المناخ ".

 

ولابد من الإشارة إلى أن أعضاء اللجنة تمكنوا طوال أشهر من الاستماع إلى الخبراء المختصين في التنمية المستدامة وفي التغير المناخي والاقتصاد الأخضر وأصحاب المؤسسات الاقتصادية وممثلي المنظمات الأهلية التي تُعنى بالتنمية المستدامة. وتوصلوا إلى صياغة 149 مقترحا عرضت على رئيس الجمهورية في نهاية حزيران –يونيو عام 2020.وتدعو كل المقترحات للمرور بسرعة من مرحلة الاقتصاد الكربوني إلى مرحلة الاقتصاد الأخضر عبر إعادة النظر في أساليب الإنتاج والاستهلاك المسرفة في استخدام الموارد الطبيعية والمتسببة في اختلال التوازن البيئي.

وقد حرص الرئيس الفرنسي عل استقبال أعضاء هذه اللجنة وألقى أمامهم خطابا تعهد فيه مثلا بضخ مبلغ خمسة عشر مليار يورو لتخضير الاقتصاد الفرنسي على أن تُستخدم هذه الأموال على عامين للمساعدة في تنفيذ جزء من هذه المقترحات. وقال في هذا الشأن إن "وضع البيئة في صلب النموذج الإنتاجي والمراهنة على الاستثمار في مجالات النقل والطاقة وتكنولوجيا الغد، يشكلان بالنسبة إليّ أساسَ السياسة التي تتم عبرها المصالحة بين الاقتصاد والبيئة، والتي أنتم تدعون لها وأومن بها. وبمجرد إطلاق خُطة إعادة الحيوية إلى الدورة الاقتصادية، سيتم تخصيص 15 مليار يورو إضافية ستضخ في مشاريع تأهيل اقتصادنا للانخراط في المنظومة الخضراء".

ماكرون مع أعضاء لجنة" مؤتمر المواطنين حول المناخ"
ماكرون مع أعضاء لجنة" مؤتمر المواطنين حول المناخ" © رويترز

 

تحفظ الرئيس على بعض المقترحات

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وافق على غالبية المقترحات التي قدمتها لجنة " مؤتمر المواطنين حول المناخ". ولكنه تحفظ على ثلاثة منها يتعلق أحدها بإدراج الاعتبارات البيئية في ديباجة الدستور الفرنسي والتنصيص فيها على أن الحريات والحقوق لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتم ضمانها على حساب البيئة. وبرر الرئيس تحفظه على هذا المقترح بكونه يجعل الاعتبارات البيئية فوق الحريات الأساسية والنظام الديمقراطي. وقد انتقدت منظمات أهلية هذا التبرير واعتبرت أنه يُقَوِّل المواطنين الفرنسيين الذين تقدموا بمقترحات مالم يقولوه. فهم لم يدعو لجعل الاعتبارات البيئية فوق الاعتبارات المتصلة بالحرية ولكنهم دعوا لتجنب تفعيل مبادئ الحرية والديمقراطية على حساب البيئة.

كما تحفظ الرئيس الفرنسي على اقتراح يدعو لفرض ضريبة بنسبة 4 في المائة على أرباح الشركات التي تتجاوز 10 ملايين يورو واستخدامها لتعزيز مبدأ الاستدامة والاقتصاد الأخضر. أما المقترح الثالث الذي تحفظ عليه رئيس الدولة الفرنسية فهو ذلك الذي يدعو إلى خفض سرعة السير في الطرقات إلى مائة وعشرة كيلومترات. وقد برر الرئيس الفرنسي تحفظه على هذا المقترح فقال:

"لا يمكن إطلاقاً المرور من مرحلة الاعتماد على الكربون إلى مرحلة الاقتصاد الأخضر على حساب البلدات والمناطق الداخلية المعزولة أكثر من غيرها. ولذلك فإنني أرى أنه لابد من تأجيل النقاش بشأن الإجراء الداعي لتحديد سرعة السير في الطرقات الداخلية بـ 110 كيلومترات في الساعة في أقصى الحدود. وأَصْدِقوني القول، إني أصوغ هذا المقترح بوصفي خبيراً في هذا الشأن. فلقد عرضتُ عدة مشاريع ضخمة وطموحة جداً وفيها أفكار ومقترحات رائعة لكنها اختُزلت أحياناً في إجراء واحد أو جملة واحدة. وأرى أنه من غير المنصف أن يتم التعامل مع مقترحاتكم على هذا النحو. فلا ينبغي أن يُشار إلى الناس بالبنان إذا أردنا النجاح لهذا المشروع أو ذاك. لا ينبغي تأليب البعض على البعض الآخر، بل ينبغي دفع الجميع إلى الانخراط بشكل جماعي في المشاريع. فمواطنونا الذين يعيشون في مناطق معزولة جداً ويقضون كل يوم من ثلاثة أرباع الساعة إلى ساعة كاملة وهم في الطريق إلى أماكن عملهم، هؤلاء يجدون أنفسهم مضطرين إلى استخدام سياراتهم للالتحاق بأسرهم والذين تتمحور حياتهم حول هذا الشكل من أشكال التنقل. سيقولون عنكم إذا وافقتُ على هذه النقطة في مشروعكم، "لا مكان لنا في مشروعهم" وبالتالي فإنه لا ينبغي أن نحدث لدى مواطنينا انطباعاً مفاده أننا نشرعهم بالذنب أو نهمشهم".

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضا أمام أعضاء لجنة " مؤتمر المواطنين حول المناخ" بالعمل على الدعوة لاستفتاء عام في عام 2021 في حال تقصير البرلمان في اتخاذ الإجراءات التشريعية الضرورية للمساعدة على تخضير الاقتصاد الفرنسي انطلاقا من مقترحات هذه اللجنة.

ارتياح وانتقادات

لقد أخذت مآخذ كثيرة على رئيس الدولة الفرنسية منها أنه بالغ كثيرا في تقديم عمل اللجنة وموافقته على غالبية المقترحات التي تقدم بها المشاركون في " مؤتمر المواطنين حول المناخ" باعتبار الأمر منعطفا حقيقيا في سياسته تجاه القضايا المتصلة بالبيئة والتنمية المستدامة. وقال خبراء اقتصاديون إن المبلغ الإضافي الذي يرغب الرئيس ضخه في الدروة الاقتصادية لجعلها تأخذ في الحسبان الاعتبارات البيئية مبلغ زهيد جدا.

ومع ذلك فإن أعضاء هذه اللجنة بدوا في غاليتهم متفائلين إلى حد ما أو على الأقل فخورين بما قاموا به. هذه مثلا حال جان لوك فيردييه الضابط المتقاعد من ضباط فرق إطفاء الحرائق. فقد قال: " كنا طموحين وتجرأنا على تحديد عدد من الإجراءات تم القَبول بها. وسنرى ما إذا كان المسار التشريعي لتفعيل ما اقترحناه قادرا على دعم عملية تنفيذها. سنرى ذلك من خلال الجمعية التي أسسناها. فعلا ما توصلنا إليه يتجاوز حسب رأيي ما كنت أتوقعه."

وإذا كان المواطن الفرنسي جان لوك مرتاحا جدا لعمل لجنة: "مؤتمر المواطنين حول المناخ " والتي تحولت إلى منظمة أهلية، فإن زميله في اللجنة    بونوا لوغيه فخور هو الآخر بهذه المبادرة. فقد قال بعد لقاء الرئيس ماكرون مع أعضاء اللجنة ووعدهم بأنه يعول عليهم لمواصلة عملهم فيها باعتبارها منظمة أهلية:" لقد ترجمنا الإجراءاتِ المقترحة لإحداث تغيير في نمط الإنتاج والاستهلاك فاهتدينا إلى أن تنفيذَها يتطلب اقتطاعَ أموال من الخزينة العامة تُقَدَّر بستة مليارات يورو ستنتج عنها منافعُ تتعلق مثلا بخفض الانبعاثات والحدِّ من تلويث الهواء وترشيد استخدام الطاقة بشكل مُريح. أضف إلى ذلك أن هذه الإجراءاتِ من شأنها المساهمةُ في إحداث مواطنِ عمل. نحن إزاء تكلُفة متواضعة جدا. ولسنا أمام خُطة تتطلب إنفاقَ أموال ضخمة. نحن أمام عملية جراحية علينا القيامُ بها".

هل قُضِي الأمر؟

وبرغم تفاؤل أعضاء هذه اللجنة بشأن إمكانية تخضير الاقتصاد الفرنسي خلال السنتين الماضيتين، فإن هناك انطباعا لدى عدد كبير من خبراء الاقتصاد الأخضر يرون أنه من الصعب جدا على ماكرون أن يتخذ من سياسته تجاه الملفات البيئية ورقة يمكن أن يستخدمها في الانتخابات الرئاسية المقبلة بدليل أن الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت دورتها الثانية في شهر يونيو عام 2020 سمحت لحزب الخضر الفرنسي بافتكاك مدن مهمة في البلاد من بين أحزاب اليمين أساسا ولم يستطع حزب " الجمهورية إلى الأمام " الذي أسسه ماكرون عام 2016 الثبات أمام الخضر في هذا الاستحقاق الانتخابي. بل إن يانيك جادو النائب عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي والذي يُعَدُّ أحد قادة هذا الحزب قال يوم 5 يوليو 2020 إنه يُعِدُّ لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري عام 2022 وإنه يوجه نداء لأحزاب اليسار والقوى المدافعة عن الحقوق الاجتماعية والبيئية للالتفاف حول الخضر لإلحاق هزيمة بالرئيس الحالي في أعقاب هذا الاستحقاق الانتخابي المهم. 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.