تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

الكائنات الحيوانية والنباتية الغازية: أضرارها كثيرة فماذا عن منافعها؟

سمعي
طحلب " كوليربا تاكسيفوليا " اختفى بنسبة 80 في المائة من الأماكن التي اجتاحها في مياه المتوسط
طحلب " كوليربا تاكسيفوليا " اختفى بنسبة 80 في المائة من الأماكن التي اجتاحها في مياه المتوسط © ويكيبيديا
20 دقائق

يتضح من مداولات المؤتمرات البيئية والسياسية والاقتصادية التي نظمت في العالم خلال العقود الثلاثة الماضية أن انعكاسات التغير المناخي لم تبق عند حدود الفرضية. بل إن الأمر واقع أصبح يفرض نفسه على القارات الخمس ويتجلى في عدة مناطق عبر ما يسمى " الظواهر القصوى" ومنها الأمطار التي تتحول بسرعة إلى فيضانات وأعاصير تأتي على الأخضر واليابس أو إلى فترات جفاف تطول أكثر من اللزوم وتساهم في اتساع رقعة حرائق الغابات المتعمدة أو غير المتعمدة أو ارتفاع منسوب مياه البحر والمحيطات مما يتسبب في إغراق مناطق ساحلية كثيرة في العالم كله وبخاصة في منطقة المحيط الهادئ والمنطقتين العربية والمتوسطية.

إعلان

وخلال هذه المؤتمرات، نوقشت نتائج أعمال علمية كثيرة حول أثر التغير المناخي السلبي في التنوع الحيوي واتساع رقعة البيئات المحلية التي أصبحت تنمو فيها كائنات نباتية وحيوانية تُسمى " الكائنات الغازية أو المستوطنة أو الجائرة أو الدخيلة". وقد سميت كذلك لأنها تهاجر من مواطنها الأصلية بسبب التغير المناخي أو لأسباب أخرى وتستقر في مناطق أخرى بحثا عن الغذاء والدفء.

يقول البروفسور جان كلود لوفيفر المختص في الكائنات النباتية والحيوانية الغازية والمدير السابق لمعهد التنوع الحيوي الفرنسي مُذكِّرا بالطريقة التي أصبح الباحثون يهتمون من خلالها بهذا الموضوع المهم: "إن موضوعَ الكائنات المستوطِنة أو الجائرة هو أحد مواضيع الساعة والتي لا يتم الحديثُ عنها كما ينبغي. ولا بد أن نُذَكِّر هنا بأن الأوساط العلمية بدأت تهتم بهذا الموضوع بعد الحرب العالمية الثانية لاسيما بعد صدور كتاب ألفه إنجليزي يُدعى هلتُن عامَ 1958 تحت عنوان صيغ على الشكل التالي: بيئةُ الاحتلال عبر النباتات والحيوانات.

وانطلاقا من تسعينات القرن الماضي، بدأت لجنة دُولية تُجري بكثافة أبحاثا حول موضوع الكائنات النباتية والحيوانية الغازية. وكانت تسمى " اللجنة العلمية حول المسائل البيئية". وقد نشرت اللجنة عدة كتب لم يتمَّ الاطلاعُ عليها للأسف لأنها كُتبت اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى أن اللجنة وجدت صعوبات في توزيعها على نطاق واسع.

والمهم أن الباحثين الفرنسيين بدأوا يتطرقون إلى موضوع الكائنات الغازية في تسعينات القرن الماضي ونشروا عدة كتب في قضية الحال.

أما الاتحاد الأوروبي، فإنه لم يتحركْ في هذا الاتجاه إلا في عام 2008 وذلك من خلال نشر كتاب عن الكائنات الغازية التي دخلت من القارات الأخرى منذ عام 1500 إلى أوروبا واستقرت فيها"

السمكة الأرنب خطر على منظومة الاستدامة

ومن هذه الكائنات على سبيل المثال " السمكة الأرنب " التي دخلت إلى البحر الأبيض المتوسط لأول مرة عام 1927 عبر قناة السويس من المحيط الهندي. ولكن هجرتها إلى المتوسط تكثفت بشكل غير مسبوق انطلاقا من نهاية القرن العشرين.   وأصبحت تشكل بحق خطرا كبيرا على الصيد التقليدي وعلى صحة الناس في المنطقة المتوسطية نظرا لأن في بعض أجزاء هذه السمكة سما يمكن أن يؤدي فعلا إلى هلاك من يأكلها ولأن السمكة الأرنب تتغذى على الأسماك التي يصيدها الصيادون التقليديون وتجد سهولة كبيرة في تمزيق شباك قوارب الصيد بأسنانها الحادة التي تشبه أسنان الأرنب وتلعب دورا كبيرا في الإساءة إلى الصيد التقليدي الذي يظل مصدر الاستدامة في العملية التنموية التي يتم الاعتماد فيها على الثروة البحرية.

السمكة الأرنب دخلت إلى المتوسط قادمة من المحيط الهادئ
السمكة الأرنب دخلت إلى المتوسط قادمة من المحيط الهادئ © ويكيبيديا

سمكة القوليون الآسيوية عدو لدود لأسماك الأنهر والاستزراع

من جديد دق معهد البحوث الفرنسي من أجل التنمية ناقوس الخطر بشأن سمكة من الأسماك المنتمية إلى الكائنات الغازية تسمى سمكة " القوليون الآسيوية". وتعيش هذه السمكة في مياه الأنهار والبرك العذبة. ولا يتجاوز طول هذه السمكة عشرة سنتمترات. وكانت من قبل تعيش أساسا في الصين. وقد أدخل بشكل غير مقصود إلى بلدان أوروبا الوسطي في ستينات القرن الماضي. ولكنها تحولت بسرعة إلى منافس شديد لعدة أنواع من الأسماك المحلية التي تعيش في أنهار هذه البلدان وبركها.

وتنتمي سمكة القوليون الآسيوية في الأصل إلى فئة الأسماك المستخدَمة كمؤشر على سلامة مياه الأنهار أو تلوثها. فتلوث مياه الأنهار يجعلها تختنق بسرعة. ولكنه اتضح شيئا فشيئا أنها تملك أسلحة فتاكة أصبحت بموجبها تشكل خطرا جسيما على التنوع الحيوي في المياه والبرك من جهة وعلى الاستزراع السمكي حتى في المياه المالحة من جهة أخرى.

ومن خاصيات سمكة القوليون الآسيوية أنها نشطة جدا وتتحرك بسرعة تجعلها قادرة على افتكاك غذاء كثير من أسماك الأنهار الأخرى حتى وهي بين أسنانها. بل إنها مولعة كثيرا بالتهام بيض الأنواع الأخرى من الأسماك النهرية والبرك والبحيرات ذات المياه العذبة الأمر الذي ينعكس سلبا على عملية تكاثر هذه الأسماك.

ولكن سلاح الدمار الأساسي الذي تملكه سمكة " القوليون الآسيوية " التي غزت في السنوات الأخيرة أنهار بلدان المتوسط الشمالية ومنها فرنسا وإيطاليا يتمثل في طفيلي هو خليط بين الطفيليات الحيوانية والطفيليات الفطرية. ومن خاصيات هذا الطفيلي أنه يعتمد على سمكة " القوليون " الآسيوية لتنقله عبر هجرتها من نهر إلى آخر ومن بركة إلى أخرى. ويتجنب هذا الفطر إلحاق الأذى بسمكة " القوليون الآسيوية " التي تحمله في حلها وترحالها. ولكنه يقضي بسرعة على كثير من الأنواع السمكية الأخرى ولاسيما تلك التي تربى في إطار الاستزراع السمكي.

لقد تمكن سمك " القوليون الآسيوي " سابقا من القضاء عبر الطفيلي الذي يحمله على ثروة سمك السالمون التي كانت تربي في ولاية كاليفورنيا بنسبة 90 في المائة. وقد أصبح يهدد اليوم الثروات التي تربي على السواحل المتوسطية الشمالية والجنوبية وبخاصة مزارع سمك القاروس بعد أن تأكد أن هذا الطفيلي يمكن أن يظل نشطا في المياه البحرية الساحلية التي يصلها مع مياه النهار

الكائنات الغازية وطرق الحرير الجديدة

وتخلص دراسة أعدها فريق من الباحثين الصينيين والبريطانيين حول ما يُسمى " الكائنات الغازية" إلى أن هذه الكائنات النباتية والحيوانية التي تهاجر من مواطنها الأصلية لأسباب عديدة لتستوطن في أماكن جديدة ستجد في طرق الحرير الجديدة التي بدأت الصين الشعبية في أقامتها وسيلة ناجعة لاكتساح العالم.

ونُذَكِّر بأن الهدف المعلن من هذا المشروع الصيني الضخم هو مد طرق برية وبحرية تشق أكثر من مائة بلد أو تربُط في ما بينها لتكثيف المبادلات التجارية العالمية لاسيما عبر شبكات جديدة تصل بين القارات الآسيوية والأوروبية والإفريقية. ولكن الهدف الأساسي من مد هذه الطرق حسب خبراء الاقتصاد والجيوستراتيجيا هو تمكين الصين الشعبية من استيراد المواد الأولية الرئيسية التي تحتاج إليها لتطوير اقتصادها من جهة ولرفع صادراتها إلى العالم كله من جهة أخرى. ولذلك تحرص الصين على أن تكون منطقتا الكاريبي وجنوب القارة الأمريكية جزءا لا يتجزأ من هذه الشبكة.

ويؤكد فريق الباحثين الصينيين والبريطانيين أن طرق الحرير الجديدة ستكون ممرا آمنا تعبره مئات الكائنات الغازية النباتية والحيوانية لتوسيع نطاق انتشارها بسرعة في مناطق العالم كلها عبر الشاحنات والقطارات والسفن التي سترتاد بدورها هذه الطرق. وقَدَّر فريق البحث عدد الحيوانات الفقارية الغازية التي ستهاجر من مواطنها الأصلية عبر طرق الحرير الجديدة بما يزيد عن 8 مائة حيوان. وستكون هذه الحيوانات قادرة على التكيف مع البيئات الجديدة التي ستهاجر إليها ولكن أنواعا كثيرة منها ستتسبب في أضرار اقتصادية وصحية وبيئية كبيرة في المناطق التي ستستوطن فيها ومنها بشكل خاص مناطق المتوسط وأوروبا الوسطى وغربِ إفريقيا وشرقِها. 

ويدعو واضعو الدراسة إلى تكثيف المراقبة على وسائل النقل التي ستساهم في تكثيف المبالات التجارية بين الصين والبلدان الأخرى المعنية بطرق الحرير الجديدة. ويشددون على ذلك بهدف الحد من انتشار الكائنات الغازية. ولكن خبراء في مجال التنوع الحيوي يرون أنه من الصعب جدا إيجاد استراتيجية ناجعة لوقف انتشار الكائنات الغازية حتى عبر إجراءات جمركية أكثر صرامة مما هي عليه الإجراءات المتَّخذة اليوم لعدة أسباب منها أن هذه الكائنات تُحسن فن المراوغة فتختفي داخل البضاعة التي تنقلها السفن أو الشاحنات أو حتى الطائرات. وهي قادرة أيضا على السفر عبر أحذية المسافرين أو حقائبهم أو في مواضع أخرى لا تخطر على بال من خلال سفر الأشخاص أو نقل البضائع من مكان إلى آخر في البلد الواحد أو في القارة الواحدة أو بين القارات.  

الهجرة إلى القطب الشمالي

وكان العلماء قد حذروا من قبل من مغبة مضاعفات ذوبان جليد القطب الشمالي على حياة سكانه من البشر والحيوانات. ولكن ما هو جديد في الأبحاث المتصلة بالموضوع أن التحولات المناخية السريعة التي تشهدها منطقة المحيط المتجمد الشمالي تجعل ثروتها الحيوانية معقلا جديدا لفيروسات وبكتيريا دخيلة على المنطقة. فقد كانت هذه الكائنات التي غزت في السنوات الأخيرة منطقة القطب الشمالي تجد صعوبة في اجتياح أجسام حيوانات تعودت عليها من قبل في بيئات أخرى. أما حيوانات القطب الشمالي فإنها لم تتعود حتى الآن على هذه البكتيريا والفيروسات الوافدة من بيئات بعيدة عن القطب. ولذلك فإنها أصبحت فريسة سهلة لهذه الكائنات وأصبح معها ساكنو المناطق القطبية الأصليون مهددين في ما يخص جزءا من غذائهم ومن ثروتهم الحيوانية.

الثعبان الملك: من كاليفورنيا إلى جزر الكناري 

في السنوات العشر الأخيرة تزايدت في جزر الكناري الإسبانية أعداد الذين يشترون نوعا من الثعابين غير المسيئة للإنسان. وهذه الفئة من الثعابين يعرف الواحد منها بتسمية " الثعبان الملك ألبينوس". وهو كثير الانتشار في الولايات المتحدة الأمريكية. ويصل طوله إلى قرابة متر وثمانين سنتمترا. وقد أصبح الكاليفورنيون مولعين بتربيته منذ حوالي ثلاثة عقود لأنه لا يسيء إلى الإنسان كما ذكرنا من قبل ولأنه صبور ورقيق الطباع.

ونظرا لأن سوق الحيوانات الأهلية وشجيرات الزينة أصبحت سوقا عالمية مزدهرة عبر المسالك الشرعية وغير الشرعية في العقود الأخيرة، فقد وجد الثعبان الملك نفسه مضطرا إلى الهجرة القسرية لا لأنه يحتاج إلى غذاء لم يعد قادرا على الوصول إليه في الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان أخرى تقع في القارة الأمريكية، بل لأنه يدر أرباحا هامة على المتاجرين به. ويبلغ سعره في جزر الكناري لمن يريد شراءه خمسين يورو.

ولكن وصوله بأعداد كبيرة من جهة إلى جزر الكناري وتأقلمه السهل من جهة أخرى مع مناخ هذه الجزر الإسبانية أصبحا اليوم يهددان التنوع الحيوي فيها. فهذه الثعابين التي أطلقها أصحابها في الطبيعة لسبب أو لآخر سرعان ما تكاثرت ووجدت في القوارض والطيور وكثير من الحيوانات المحلية الأخرى طعاما شهيا من السهل العثور عليه.

ولكنه لوحظ أن نمو هذه الثعابين على حساب حيوانية محلية أخرى نادرة منها عدد من السحالي المهددة بالانقراض، تحول فعلا إلى مشكلة تهدد التوازن البيئي في هذه الجزر التي يتم التعامل معها من قِبل المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية التي تعنى بالبيئة باعتبارها محمية طبيعية لأنواع حيوانية ونباتية كثيرة.

ومن الطبيعي جدا أن يكون الثعبان الملك محورا أساسيا من محاور الندوات والمؤتمرات العلمية التي تقام اليوم هنا وهناك حول سبل إدارة الزواحف المنتمية إلى الكائنات الغازية أو الدخيلة.

نبتة جوسي والدبور الآسيوي مشكلتان عويصتان في فرنسا

وفي فرنسا انخفضت كميات العسل الذي يتم إنتاجه محليا منذ سنوات بسبب المشاكل التي يعاني منه النحل في هذا البلد وعلى رأسها الدبور الآسيوي الذي أصبح يفتك بخلاياه. وقد فشلت كل الطرق التي استُخدمت حتى الآن للحد من انتشار هذا الكائن الحيواني الغازي على غرار ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى نبتة جوسي Jussie   أصيلة أمريكا الجنوبية والتي اكتسحت في العقود الأخيرة بيئات المناطق الرطبة التي تنمو فوق بركها أو إلى جانبها نباتات كثيرة تساهم في الحفاظ على التنوع الحيوي ويحتاج إليها مربو الحيوانات. 

ويصف أحد العمال المكلفين باقتلاع نبتة جوسي من جذورها لمحاولة الحد من تكاثرها صعوبة مِثل هذا المسعى فيقول: "إن طُولَ قدم الواحدة منها يمكن أن يتراوح بين خمسين وستين سنتمترا. وإذا أردنا اقتلاعَ النبتة بجذورها، فإن ذلك يتطلب من مُقتلعِها ساعة كاملة من الوقت في مساحة لا تتجاوز مترا مربعا.

نبنة جوسي اجتاحت فرنسا وهي آتية من أمريكا الجنوبية
نبنة جوسي اجتاحت فرنسا وهي آتية من أمريكا الجنوبية © ويكيبيديا

إن هذه النبتة قد نجحت فعلا في خنق النباتات المحلية الأصلية. فأصبحت   الحقول التي اجتاحتها غيرَ صالحة للزراعة والرعي. وفعلا لدى هذه النبتة انعكاسات على الثروة الحيوانية والنباتية الطبيعة المحلية وعلى الصيد البري وصيد الأسماك بالنسبة إلى الجميع في الأماكن التي تنمو فيها."

الوجه غير السيئ في الكائنات الدخيلة

ماتيو بيدار هو أحد المختصين في الكائنات الحيوانية والنباتية الغازية من الذين يسعون إلى التأكيد على أن هناك إجحافا بحق هذه الكائنات نظرا لأن بعضها يقوم بدور إيجابي أحيانا في الأماكن التي يغزوها. ويقول هذا الباحث الفرنسي في هذا الشأن: "

يتم أحيانًا إيقاف برامج المكافحة ضد الأنواع التي يُنظر إليها على أنها ضارة لأن النباتات والحيوانات الأصلية تستفيد أحيانا من الكائنات الغازية. هذا مثلا حال طيور كثيرة أصبحت تتغذى أكثر فأكثر على كائنات غازية بعد أن أصبحت تجد صعوبة في العثور على الكائنات الأصلية التي كانت تتغذى عليها من قبل.

ومن الحجج التي يلح عليها هذا الباحث الفرنسي وهو يدعو إلى عدم التعامل مع الكائنات الدخيلة بوصفها شرا مستطيرا لابد من التخلص منه بكل الطرق تلك التي يقول أصحابها إن الطبيعة قادرة على التكيف بمرور الوقت مع هذه الكائنات. ويستدل في ذلك بمَثَل طُحلب يُسمى " كوليربا تاكسيفوليا " والذي ظهر في تسعينات القرن العشرين في مياه سواحل المتوسط الشمالية. وقد ساهم إلى حد كبير في خنق الطحالب المتوسطية البحرية الأصيلة. ولكن هذا الطحلب اختفى اليوم بنسبة 80 في المائة من الأماكن التي اكتسحها مما يدل -حسب ماتيو بيدار -على أن البيئات التي يتم اجتياحها من قِبل الكائنات المستوطنة قادرة عموما على التكيف معها.

ما هي أهم الأسماك الدخيلة على الأبيض المتوسط عبر قناة السويس والتي ثبتت جدواها الاقتصادية بالنسبة إلى مصر؟

هذا السؤال طرحناه على البروفسورة سحر فهمي مهنا الخبيرة العالمية في علوم البحار والمصايد والمديرة السابقة لمعهد علوم البحار في السويس بجمهورية مصر العربية. تقول الباحثة المصرية في هذا الصدد إن أن أهم هذه الأسماك تتمثل في أسماك الحارت أو المكرونة وأسماك السيجان أو البطاطا وأسماك الأرنب أو القراض والكابوريا وبعض أنواع الجمبري وأسماك الصرع والبربونى وأسماك الباراكودا".

 وتمضي البروفسورة سحر فهمي مهنا قائلة بخصوص الطرح الذي يرى أصحابه أن الكائنات الغازية لديها فوائد بالإضافة إلى الأضرار التي تتسبب فيها: " إن أي تدخل بشرى من أي نوع له تأثيره على البيئة من حوله وقناة السويس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في تدخل الانسان في الطبيعة. فالمصانع العملاقة في الدول الصناعية الكبيرة والمفاعلات النووية وصناعة السلاح والحروب الكيماوية والنفايات الاشعاعية ومياه الصابورة وإدخال أنواع جديدة للاستزراع المائي لهى أخطر مئات المرات من القناة ولكن في رأيي أن سلبيات هجرة الانواع قد تتحول إلى ايجابيات إذا ما أحسنا توجيهها والاستفادة منها. فعلى سبيل المثال أصبحت أسماك الحارت أو المكرونة من أهم الانواع التي تصاد في تركيا ومثلها أسماك السيجان التي انتشرت في العديد من الدول وتشكل الآن انتاجا اقتصاديا. كما يمكن انشاء خطوط إنتاج لتنظيف أسماك الأرنب أو القراض وتعليبها والاستفادة من لحومها الشهية مع عدم تعريض المواطنين لمخاطر تناول سمومها. كما أن أنواع الجمبري والكابوريا شكلت قيمة اقتصادية كبرى لارتفاع أسعارها في الاسواق المحلية والعالمية.".

وتتوقف البروفسورة سحر فهمي مهنا بشكل خاص عند بعض الطرق التي تسمح بتحويل " السمكة الأرنب " من نقمة إلى نعمة فتقول إن هذه السمكة " من أشهى اللحوم طعما في حال تنظيفها بطريقة صحيحة... ويمكن إنشاء مصانع لهذه الأنواع من الأسماك كما فعلت اليابان حيث لا يتم تداول هذا النوع في الأسواق ولكن يتم تنظيفه وتعليبه على أيدي خبراء في التصنيع وبالتالي قد يساهم انتشار هذه الأنواع في حوض البحر الأبيض المتوسط في ايجاد مصدرا لتوفير الغذاء. كما أن سموم هذه الأسماك تمت تجربتها لإنتاج ترياق أو مضادات للسموم. وهناك رسائل علمية ومشاريع بحثية أثبتت هذا الشيء"

شكرا لسرطان البحر الأوروبي الأخضر

اجتاح سرطان البحر الأوروبي الأخضر في السنوات الأخيرة كثيرا من المناطق الساحلية في العالم منها مثلا خليج " كاب كود" التابع لولاية ماساتشوستس الأمريكية. ومعروف عن هذا السلطعون أو سرطان البحر أنه عدواني إلى حد تلقيبه بـ" سرطان البحر المسعور". وهو يصر أثناء تنقله من بيئاته الأصلية إلى بيئات غريبة عنه على التهام كل ما يستطيع التهامه. ولذلك صنف في قائمة الحيوانات والنباتات الغازية التي تلحق أضرارا كبيرة بالبيئة والتنوع الحيوي.

بيد أن فريقا من باحثي جامعة "براون" الأمريكية خلص مؤخرا في دراسة أجراها بشأن أثر السرطان الأوروبي الأخضر في بيئة خليج " كاب كود" الأمريكي إلى أن المكاسب التي يحققها هذا الكائن من خلال اجتياح مياه الخليج أهم بكثير من الخسائر التي يتسبب فيها. فصحيح أن هذا الكائن الغازي تمكن بسرعة من ترويع سرطان البحر البنفسجي اللون والذي يقيم في هذا الخليج ومستنقعاته منذ مدة طويلة. ولكن رب ضارة نافعة. فالسرطان البنفسجي الذي قلت أعداده في خليج " كاب كود" الأمريكي جراء نهم السرطان الغازي كان يتغذى أساسا على نبتة تنمو في مستنقعات الخليج وتساهم إلى حد كبير في تثبيت أتربتها. وبسبب الصيد الجائر، انخفضت أعداد الكائنات البحرية التي تتغذى على السرطان البنفسجي انخفاضا كبيرا. ومن ثم تكاثر عدد هذا النوع من سرطان البحر أكثر من اللزوم وألحق خسائر كبيرة بهذه النبتة التي كادت أن تنقرض مما أفقدها القدرة على تثبيت التربة. ومنذ وصول " السلطعون المسعور" إلى خليج " كاب كود" الأمريكي ومستنقعاته، انتعشت هذه النبتة وأصبحت من جديد قادرة على تثبيت أتربة المستنقعات والحفاظ بالتالي على جزء كبير من التوازن البيئي المحلي.

 وانطلاقا من نتائج هذه الدراسة ودراسات أخرى حول الكائنات الغازية، يخلص كثير من الباحثين وخبراء البيئة إلى القول إن الدعوة للتصدي بقوة للكائنات الغازية التي كثفت هجراتها في العقود الأخيرة إلى مواطن غير مواطنها الأصلية لا تشكل منهجية سليمة لمعالجة المشاكل البيئية والصحية والاقتصادية التي تتسبب فيها هذه الكائنات لعوامل كثيرة منها أن ذلك يحتاج إلى أموال كثيرة وأن العملية تبدو شبه مستحيلة بالنسبة إلى بعض هذه الكائنات. ويلح هؤلاء الباحثون والخبراء في نهاية المطاف على طرح آخر يرون أنه قادر على بلورة منهجية أكثر نجاعة. وينص هذا الطرح على ضرورة مساعدة هذه الكائنات الغازية على التأقلم مع بيئاتها الجديدة دون أن يتم ذلك على حساب الكائنات الأصلية.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.