تخطي إلى المحتوى الرئيسي
قرأنا لكم

ألبير ميمي وثنائية المستعمِر والمُستَعمر

سمعي
ألبير ميمي
ألبير ميمي © فيسبوك (Jamel Jlassi)

نتناول هذا الأسبوع في برنامج "قرأنا لكم" أعمال الباحث والكاتب التونسي الفرنسي ألبير ميمي الذي وافته المنية مؤخرا في باريس عن سن تناهز التاسعة والتسعين عاما. 

إعلان

اشتهر ميمي بدراسته الرائدة عن الاستعمار التي نال بفضلها شهرة كبيرة في فرنسا وفِي العالم أجمع والتي نشرها في ذروة الحرب الاستعمارية الفرنسية في الجزائر خلال الخمسينيات من القرن الماضي بعنوان:"صورة المستَعمَر". واستعرض ميمي في هذه الدراسة المكونة من جزئين منفصلين آليات السياسة الكولونيالية مستعينا بالمناهج الفلسفية والسوسيولوجية والسيكولوجية مسلطا الضوء على ما وصفه ب "الثنائي الغريب" الذي يشكله المستعمِرون والمستعمَرون. 

وبخلاف الدراسات السائدة آنذاك انطلق ميمي من فرضية مغايرة مفادها أن الوسيلة المثلى لإزالة الاستعمار لا تتلخص فقط في الاستقلال الاقتصادي والعسكري مسلطا الضوء على الجانب النفسي والهوياتي الذي بدونه لن يتمكن المستعمَرون من اعادة بناء أنفسهم. 

وفور صدور هذا الكتاب، الذي ذيّل مقدمته الفيلسوف الشهير جان بول سارتر المعروف بمناهضته للاستعمار الفرنسي، خلق جدلا كبيرا في الأوساط الفكرية والسياسية والجامعية وتعرض بسببه لهجوم عنيف من طرف المثقفين الموالين للفكر الاستعماري. ولاحقا تحول هذا الكتاب الى مرجع أساسي في الدراسات في مجال حقبة ما بعد الكولونيالية.

وفِي نظر ألبير ميمي فإن المستعمِر لا ينظر الى الشعوب المستعمرة كأفراد يمتلكون هويات محددة بل يتوجه اليهم "مثل كتلة جماعية مقهورة بقوة السلاح والاقتصاد مهمتها خدمة المستعمِر".

واذا كان ألبير ميمي حقق شهرته بفضل دراسته عن الاستعمار فهو تألق أيضا بفضل رواياته التي كانت تتمتع بأسلوب مغاير ولقيت استحسانا حماسيا في الأوساط الأدبية الفرنسية خاصة روايته الأولى "تمثال الملح" التي كتب مقدمتها الكاتب ألبير كامو الذ دافع عنها بقوة في الدوائر الأدبية الباريسية. ووصف ألبير ميمي نفسه في حوار أجري معه بعد صدور هذه الرواية التي تتناول أوضاع تونس من خلال حياة العائلات اليهودية التونسية الفقيرة، بأنه يعتبر نفسه " ابنا خلاسيا للفترة الاستعمارية يفهم جميع الأطراف لكونه لا أحد".

وفِي روايته الثانية "أجار" التي صدرت عام 1955 حكى ألبير ميمي قصة فشل زواج مختلط بين شاب تونسي وفتاة فرنسية استعرض من خلالها روائيا الأفكار النظرية حول اشكالية العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر التي تناولها في أعماله الفكرية. والطريف انه خلافا لهذا الفشل المتخيل روائيا فإن الكاتب عاش شخصيا زواجا ناجحا مع زوجته الفرنسية جيرمان التي عاش معها حتى وفاتها بعد أكثر من ستين عاما من العيش المشترك. 

ولد ألبير ميمي عام 1920 في حي "حارة" اليهودي بالعاصمة التونسية خلال فترة الحماية الفرنسية في  كنف عائلة يهودية متواضعة. وهو ينحدر من أب ايطالي يهودي وأم تونسية يهودية من أصول أمازيغية وتلقى تعليمه بالمدرسة الفرنسية وحصل على شهادة الباكالوريا في الفلسفة عام 1939 ثم واصل تكوينه في جامعة الجزائر. انتقل الى باريس عام 1956 غداة استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي واشتغل استاذا في علم الاجتماع في الجامعات الفرنسية وكانت له أيضا تجربة في التدريس في الجامعات الأمريكية في السبعينيات من القرن الماضي.

ومن بين مؤلفاته المعروفة أيضا انطولوجيا عن الأدب المغاربي صدر جزءها الأول عام 1965 والجزء الثاني عام 1969 وهي الانطولوجيا الرائدة التي منحت لأول مرة القارىء الفرنسي فكرة وافية عن الانتاج الأدبي في دول الشمال الافريقي. واضافته الى أعماله الأدبية والفكرية الغزيرة التي فاقت ثلاثين عنوانا تُرجمت الى عدة لغات كتب ألبير ميمي بانتظام في الصحافة الثقافية الفرنسية وحصل على عدة جوائز منها جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 2004. 

وكل كتاب وأنتم بخير...

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.