خبر وتحليل

طارق عزيز أو الرجل الذي ظلم مرتين

سمعي
صورة لطارق عزيز أخذت في بغداد يوم 25 فبراير 2003 ( رويترز )

لم أفاجأ بوفاة طارق عزيز نهاية الأسبوع الماضي في سجنه العراقي منهيا بذلك حياة امتزجت فيها مظاهر السلطة والبروز بمأساة مركبة بدأت بسكوته عن سياسات خاطئة انتهت بهزيمة مدوية وبظلم ادخله السجن حتى نهاية حياته.

إعلان

 

مأساة طارق عزيز باعتقادي بدأت في مطلع ستينات القرن الماضي حين انخرط في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يجسد في تلك الحقبة آمال الشباب العربي في الوحدة والحرية والاشتراكية.
 
آمن طارق عزيز بمبادئ البعث وكان صادقا ألا انه سرعان ما وجد نفسه مضطرا لتقديم سلسلة من التنازلات تخالف قناعاته .أولى التنازلات كانت في التخلي عن اسمه المسيحي فتحول من طوبيا ميخائيل حنا إلى طارق عزيز تيمنا ربما بطارق ابن زياد  الذي فتح اسبانيا باسم الإسلام. هل اقتنع طارق عزيز بداية أن حزب البعث القومي العربي والعلماني الذي أسسه المسيحي السوري ميشال عفلق قادر على ضمان حقوق الأقليات الدينية في مجتمع إسلامي أكثري تغزوه التيارات المتشددة من الإخوان المسلمين لدى السنة إلى حزب الدعوة لدى الشيعة؟
 
لست ادري ما هو الشعور الذي ساور طوبيا ميخائيل حنا، عفوا طارق عزيز حين أضاف الرئيس الأسبق صدام حسين عام 1991 وبخط يده عبارة" الله اكبر" على العلم العراقي.
 
سكت طارق عزيز عن هذه الواقعة المخالفة لحقيقة قناعاته الفكرية واستمر سكوته طويلا وفي سائر المحطات الأساسية في سياسات رفيقه ورئيسه صدام حسين. مصادر كانت عليمة بآلية اتخاذ القرارات من قبل هرم السلطة آنذاك في العراق تؤكد أن طارق عزيز لم ينبث ببنت شفة لدى إعلان الرئيس صدام حسين قراره بغزو الكويت علما أن طارق عزيز كان وزيرا للخارجية وعلى رأس الدبلوماسية العراقية!
 
باختصار، ظل طارق عزيزا وفيا لرئيسه ورفيقه صدام حسين رغم اعتراضه الصامت على معظم سياساته الداخلية والخارجية وقررا لاستمرار بالوقوف إلى جانبه في أصعب الظروف وأدقها لدرجة انه رفض أمام المحكمة الإدلاء بشهادة تدين صدام. هذا الموقف يصب في مصلحة طارق عزيز ويعزز القناعة بأنه كان رجل مبادئ وأخلاق وذلك هو الجانب الآخر من الصراع النفسي الذي عاشه طارق عزيز من البداية حتى النهاية.
 
الظلم الذي تعرض له طارق عزيز كان مزدوجا، ظلم ذوي القربى من الرفاق والرئيس القائد الذين ألزموه الدفاع عن مغامرات عسكرية وسياسية لم يستشر بشأنها ومغايرة لقناعاته، وظلم الاحتلال الأمريكي الذي وفر التغطية للسلطة العراقية التي نصبها الاحتلال والتي حكمت على طارق عزيز بالإعدام رغم قلبه المريض وضربت عرض الحائط بالمناشدات التي وجهتها منظمات حقوق الإنسان وأيضا بالوساطات التي بذلتها سرا وعلنا دوائر الفاتيكان والدبلوماسية الأوروبية .
طارق عزيز الذي سيوارى الثرى في الأردن بعيدا عن أرضه وربعه أراحه الموت من ظلم الرفاق والخصوم.
.
                          

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن