خبر وتحليل

عندما ينفرد السياسيون بالتاريخ

سمعي
رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال والمرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية إيمانويل ماكرون (يوتيوب)

أحدثت تصريحات المرشح للرئاسة الفرنسية، إيمانويل ماكرون، حول الاستعمار، هذا الأسبوع ردود فعل قوية في الساحة الفرنسية وبخاصة لدى أنصار الهوية الوطنية من الشق اليميني. فبقوله في الجزائر، مع ما تعنيه من رمزية، أن الاستعمار كان خطأ ونوعا من البربرية وهو جريمة في حق الإنسانية، ضرب إيمانويل ماكرون عنصرا مهما من عناصر الهوية الوطنية كما يراها هذا اليمين.

إعلان

وإن تجلى المشكل اليوم في مواجهة إعلامية بين المرشحين للرئاسة، فإنه يتجاوز في الحقيقة هذا المستوى الفرنسي ليحيلنا على إشكالية أعمق وأوسع وتتمثل في استعمال التاريخ كأداة سياسية. فماذا ترك السياسي للمؤرخ هنا؟

السؤال حول العلاقة بين التاريخ والهوية مطروح بحدة في فرنسا كما في أغلب بلدان العالم تقريبا بغض النظر عن مدى تقدمها التقني والسياسي. وهو يعود بالأساس إلى التعارض بين النظرة العاطفية للهوية الوطنية مع ما تتطلبه من تطويع للماضي وبين النظرة التاريخية العلمية التي تتوخى الموضوعية في مقاربته وفهمه.

والحقيقة أن السؤال مطروح أكثر لدى السياسيين لأنهم المعنيون بإنتاج وصيانة الأيدلوجية الوطنية كما يسميها عبد الله العروي. في المقابل نجد أن الساحة التاريخية الأكاديمية قد تجاوزت وبشكل كبير هذا الإشكال. فالزمن المعرفي أسرع من الزمن السياسي كما أن الحقيقة المعرفية قد لا تنسجم دائما مع الحقيقة السياسية.

المؤرخ يتناول الاستعمار باعتباره تجربة في التاريخ الإنساني قبل كل شيء ويحاول تفكيكها ليس بغرض الحكم عليها بل بغاية فهمها. وباعتباره تجربة إنسانية لا يمكن أن نفكر فيه فقط من وجهة نظر الأطراف التي عاشتها، أي القوة المستعمرة وشعوب المستعمرات. لأن التقييم سيكون محكوما بالذاتية

وباعتباره تجربة، نقول بأن هدف الاستعمار كان استغلال الموارد بالأساس وهو ما أكده مؤتمر برلين سنة 1878.
وبهذا المعنى فقد ارتبط التاريخ الاستعماري باستعمال للعنف تراوح بين التعذيب الفردي ليصل حد الإبادة الجماعية كما حصل مع هنود أمريكا الجنوبية إبان الغزو الإسباني.

لكن في نفس الوقت لا يمكن أن نسمي الاستعمار بجريمة في حق الإنسانية والحال أن مفهوم الجريمة في حق الإنسانية ظهر فقط بعد الحرب العالمية الثانية. هذا دون تناسي الآثار الإيجابية الجانبية للتجربة الاستعمارية على المستعمرات.

إن تصحيح هذا الوضع يتطلب من السياسيين أن ينفتحوا على المؤرخين ويتبنوا بشجاعة الخطاب المعرفي حول الهوية. لكن كيف السبيل إلى ذلك والسياسي يستجدي وجدان الناخبين؟
 

عادل اللطيفي
 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن