تخطي إلى المحتوى الرئيسي
خبر وتحليل

انحراف مسار العدالة الانتقالية في تونس

سمعي
أرشيف

من حين لآخر، تثير هيئة الحقيقة والكرامة في تونس حولها جدلا واسعا كانت مادته الأساسية انحراف مسار العدالة الانتقالية عن أهدافها الأساسية والمتمثلة في الكشف عن حقيقة الانتهاكات والمصالحة مع الماضي. آخر فصول هذا الجدل كانت بعض الشهادات التي تم بثها في نهاية آذار - مارس الماضي وتعلقت بسياق فجر الاستقلال وما تميز به الوضع من فتنة أهلية داخل النخبة الوطنية بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف.

إعلان

فقد ورد في تقديم مسؤولي هيئة الحقيقة والكرامة لحصة الاستماع الأخيرة كما في بعض الشهادات المنتقاة بعض من التجني على تاريخ تونس المعاصر وخاصة على المؤرخين التونسيين. حيث تم اتهام أول رئيس للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة، بالتواطؤ مع سلطات الاستعمار لتصفية وجوه بارزة في الحركة الوطنية التونسية وهو ما يستدعي المؤرخين التونسيين إلى إعادة كتابة تاريخ البلاد المعاصر حسب رأيهم. إنه مؤشر على أن العدالة الانتقالية تحولت إلى عدالة إيديولوجية لمحاسبة الدولة الوطنية ومكتسباتها.

الحقيقة أن مشكل العدالة الانتقالية في تونس هيكلي ومرتبط منذ البداية بظروف نشأتها التي لا يمكن أن تحيل إلا على مثل هذا الانحراف. إذ من الغريب أن تعود فترة المحاسبة إلى شهر تموز - يوليو 1955 والحال أن البلاد كانت دون سيادة ولم تستقل بعد. غير أنه من الواضح أن النية سياسية وتهدف إلى إدراج الصراع السياسي بين الحبيب بورقيبة ومنافسه ورفيقه في النضال صالح بن يوسف في سياق المحاسبة والمراجعة. فبعد الثورة، تم استحضار شخصية صالح بن يوسف "المحافظة" من طرف الإسلاميين وبعض القوميين ومن طرف الرئيس السابق المنصف المرزوقي في مواجهة خصومهم السياسيين وأهمهم البورقيبيون.

وكنتيجة لذلك تميزت تركيبة هيئة الحقيقة والكرامة المشرفة على المصالحة بهيمنة هذه التيارات الإيديولوجية مما جعل أعمالها محكومة أكثر بهاجس الصراع السياسي الحالي وليس بمعرفة حقيقة الماضي.

لم تكتفي هيئة الحقيقة والكرامة بهذا الزيغ السياسي بل تجاوزته للتجني على المدرسة التاريخية التونسية. ذلك أن المطالبة بإعادة كتابة تاريخ تونس المعاصر توحي وكأن كل ما كتب كان من وحي السلطة القائمة. والحال أن البحث الجامعي في تونس وبخاصة في العلوم الانسانية والاجتماعية كان يتمتع بهامش كبير من الاستقلالية والحرية. للأسف أصبحت العدالة الانتقالية في تونس عبئا ثقيلا على المجموعة الوطنية، مواردا وذاكرة.

عادل اللطيفي

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن