تخطي إلى المحتوى الرئيسي
خبر وتحليل

لبنان والنأي بالنفس

سمعي
(رويترز/أرشيف) الرئيس اللبناني ميشال عون

غالباً ما تعرض الاستقرار اللبناني للاهتزاز عند نشوب العواصف الإقليمية. وفي استثناء للقاعدة السائدة لم يمتد الحريق السوري المستعر منذ 2011 إلى الداخل اللبناني. لكن تطورات الأسبوعين الأخيرين تنذر بإدخال لبنان في رقصة الفوضى التدميرية في الإقليم مما يجعل من كيانه كياناً ً قيد الدرس ويربطه بمآل إعادة تركيب المنطقة.

إعلان

على مدار تاريخ لبنان المعاصر كان هذا البلد الصغير ضحية بامتياز لتجاذبات وأزمات محيطه الجيوسياسي. بعد أزمة 1958 التي تزامنت مع نشأة الجمهورية العربية المتحدة، اجتمع جمال عبد الناصر مع الرئيس اللبناني فؤاد شهاب تحت خيمة صفيح عند الحدود اللبنانية ــــــ السورية عام 1959، مما بلور نظرة متقاربة إلى دور لبنان في المعادلة العربية وفق عدم الانحياز وعدم الدخول في لعبة المحاور والاكتفاء بأن يكون دولة مساندة في الصراع مع إسرائيل مما جنبه تداعيات حرب 1967. بيد أن الهزيمة العربية "الرسمية" وصعود المقاومة الفلسطينية انعكسا على لبنان مع إبرامه اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني 1969 مع منظمة التحرير الفلسطينية ومنحها حرية العمل من لبنان، وكان الصاعق الفلسطيني السبب المباشر لإشعال حروب لبنان النقالة والمدمرة بين 1975 و1990. ويمكن القول من دون تردد أن لبنان تحمل منذ 1973 العبء الأكبر في مواجهة إسرائيل وأصبحت أرضه ساحة تصفية الحسابات بين العديد من القوى الإقليمية والدولية ودفع لبنان الأثمان الباهظة على أكثر من صعيد، بينما كان الغير يحقق "الأمجاد" من على ساحته.

يتضح من خلال حقبة  الحرب الأهلية " وحروب الآخرين" كما سماها غسان تويني في القرن العشرين، ومن خلال متابعة ما يجري على أرض لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، ان التوازنات اللبنانية الهشة لا تصمد أمام الاستحقاقات الإقليمية وإن تحييد هذا البلد (أو سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدت منذ 2011) يعتبر حيوياً للحفاظ على كيانه. ولقد برهنت كل التجارب المريرة منذ القرن التاسع عشر أن التعددية اللبنانية الدينية والثقافية لا يمكن أن تقوم على الغلبة والإقصاء بل على ابتكار دائم لتسوية متجددة كان عنوانها عند أخذ الاستقلال في العام 1943 "الصيغة الوطنية" (لا شرق ولا غرب)، وعنوانها "لا غالب ولا مغلوب" بعد 1958 و1975. وعنوانها منذ2011 "النأي بالنفس". هكذا من دون التحييد أو الحياد الإيجابي والانتماء العربي والحماية الدولية، يمكن للبنان أن ينزلق نحو الأسوأ.

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.