خبر وتحليل

السم والتّرياق في مواد الاستهلاك الأساسية المدعومة في العالم العربي

سمعي
مغازة "كارفور" في ضواحي تونس العاصمة ( أ ف ب)

لاتزال الصورة المحمولة عن صندوق النقد الدولي لدى الرأي العام في البلدان النامية صورة سلبية بسبب إصرارهما على ربط المساعدات إليها بإجراءات إصلاحية تكون الفئات الفقيرة في مقدمة ضحاياها. وبرغم ذلك، فإن طريقة تعاطي غالبية البلدان العربية اليوم مع مسألة مواد الاستهلاك المدعومة تبرئ هاتين المؤسستين من كثير من هذه المآخذ وتُحَمِّل أصحاب القرارات السياسية في هذه البلدان الجزء الأكبر من حالة الاحتقان والغليان والغضب التي يشهدها الشارع اليوم في عدد من البلدان العربية منها تونس والسودان.

إعلان

فصندوق النقد الدولي يطالب منذ أكثر من عقدين أولي الأمر في البلدان النامية بالتخلي التدريجي عن سياسة دعم المواد الأساسية وإرفاق العملية عبر استحداث آلية تُحوِّل مشكلة الدعم إلى أداة من أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولكن غالبية البلدان العربية التي لديها ثروات نفطية وغازية أبقت على سياسة دعم مواد الاستهلاك الأساسية لمدة أكثر من اللزوم فتحولت بمرور الوقت إلى عبء ثقيل على موازنات الدولة وشكلا من أشكال الحيف الاجتماعي تجاه الفئات الضعيفة والفقيرة. ففي الجزائر على سبيل المثال، تبلغ قيمة الأموال المخصصة لدعم مواد الاستهلاك الأساسية ما يعادل 30 مليار دولار في السنة. وقد رُفعت نسبة الدعم هذه ب8 في المائة في عام 2018 عما كانت عليه عام 2017. وفي المملكة العربية السعودية، كانت هذه الأموال المخصصة لدعم مواد الاستهلاك الأساسية تعادل حتى الآن نصف الموازنة السنوية.

ولاحظ الخبراء الاقتصاديون في البلدان العربية التي تعتمد على النفط والغاز أو التي لا نفط فيها ولا غاز أن سياسة دعم المواد الأساسية أصبحت بمرور الوقت مصدرا من مصادر إهدار الغذاء والطاقة إلى حد جعل مربي المواشي يستخدمون ما يُرمَى به من الخبز المدعوم في سلة المهملات إلى أعلاف رخيصة الثمن بالقياس إلى أسعار الأعلاف التقليدية. ثم اتضح شيئا فشيئا أنه لا معنى لسياسة دعم تُباع الخبزة بموجبها إلى الملياردير والمتسول بالسعر ذاته.

وبرغم الإجراءات التي اتخذت هنا وهناك في البلدان العربية النفطية وغير النفطية للتخلي بشكل غير كلي عن دعم مواد الاستهلاك بسب انخفاض عائدات النفط والغاز أو بسبب تزايد عبء أموال الدعم على الموازنات، فإن المقاييس المعتمدة لتحويل المنتجات المدعومة من سم إلى ترياق لا تلبي الغرض المطلوب لعدة اعتبارات منها أن جزءا من هذه الإجراءات لا يُراعي دخول الأسر وضرورة ترشيد استهلاك الغذاء والطاقة. بل إنه لوحظ في تونس والسودان مثلا أن موزعي منتجات الاستهلاك الأساسية التي رُفع عنها الدعم أو خُفِّف هم المستفيدون من هذه الإجراءات عبر منظومة الفساد بدل أن تستفيد منها الفئات الفقيرة.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن