تخطي إلى المحتوى الرئيسي
خبر وتحليل

تراجيديا الانتحار الاحتجاجي في تونس

سمعي
متظاهرون يتصادمون مع شرطة مكافحة الشغب أثناء المظاهرات في القصرين-رويترز

المعروف في تونس أن شهري ديسمبر وجانفي تمثل فترة الاحتجاج الاجتماعي منذ السبعينات من القرن الماضي تقريبا. غير أنه ومنذ الثورة سنة 2011، وبالرغم من ترسخ حرية الاحتجاج إلا أن ظاهرة الانتحار حرقا لم تتوقف عند حالة البوعزيزي بل تواصلت لتصبح ظاهرة خطيرة. إذ لا يبدو أن هذه التراجيديا ستتراجع بل ربما ستزايد إذا تواصل تعامل السياسيين والإعلاميين التونسيين مع هذا الموضوع كما هو الحال اليوم.

إعلان

إذ تهيمن سطوى العاطفة وكذلك بعض الشعبوية السياسية في هذا التعامل. فبمجرد أن يحرق شاب نفسه، كما حصل للصحفي في مدينة القصرين في غرب البلاد مؤخرا، إلا وخرجت النخب الإعلامية والسياسية لتندد بالواقع وبالسياسات وبالدولة وبخياراتها. وبالرغم من أن الوضع الاجتماعي متأزم فعلا بسبب فشل الطبقة السياسية منذ الثورة، إلا أنه في ظل توسع رقعة الانتحار حرقا ليهدد أرواح عديد الشباب، يصبح مثل هذا التركيز على الواقع الاجتماعي وكأنه تبرير وربما تثمين غير مباشر لمثل هذا الخيار المأساوي. وهنا تكمن خطورة الرسالة التي قد تصل لشباب آخرين مهمشين.

فالمأساة المؤكدة في الحال هي موت عديد الشباب وليس واقعا اجتماعيا نعرف أنه معقد وأن علاجه يتطلب وقتا خاصة في بلد شهد ثورة. إن الحاجة الملحّة والعاجلة اليوم أمام المسئولين والنخب في تونس هي وقف هذا الظاهرة وإنقاذ ارواح شباب وحتى أطفال بسّطوا الانتحار واستهلوه. فالكل يعلم أن لا حلول عاجلة للتهميش الاجتماعي وخاصة للفقر في حين يمكن وقف ظاهرة الانتحار الاحتجاجي.

على هذه النخب في حال حصول انتحار التركيز بالأساس على تبليغ رسالة حول هذا الفعل باعتباره حلا كارثيا وليس استعماله كمدخل لتهييج عواطف تشجّع آخرين على الاقدام عليه باسم غياب العدالة الاجتماعية. لقد رفّعت الثورة من سقف الانتظارات الاجتماعية وزادت منها أحيانا بعض الشعبوية السياسية في واقع اقتصادي صعب وفي ظل فشل السياسيين. غير أن التعاطي الإعلامي والسياسي التونسي مع الظاهرة يزيد بدوره من حجم تلك الانتظارات التي قاربت الإيتوبيا أحيانا. فمن الأجدى التنديد يوميا بالتفاوت وبالحيف الاجتماعي على أن يتم التركيز في حال حصل انتحار فقط على تبليغ رسالة تصد الشباب عن خيارات مأساوية دون الخوض في أرضيتها الاجتماعية على وجاهتها.
إن حالة محمد البوعزيزي الذي أعطى شرارة الثورة التونسية، لا يمكن أن تكون مثالا اليوم لأن ما فعله كان لشخصه في سياق سياسي كان يمنع التعبير ويمنع التنديد بالواقع ويمنع المطالبة بالحقوق.

عادل اللطيفي

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.