رفقاً بأرضنا

التخلي عن الطاقة الذرية : الدروس الألمانية

سمعي

يمكن استيعاب دروس كثيرة من القرار الألماني القاضي بالتخلي تدريجيا عن المفاعلات النووية الألمانية لتوليد الطاقة الكهربائية.

إعلان

من أهم الدروس المستوعبة من القرار الألماني التخلي نهائيا عن الذرة لإنتاج الطاقة في عام ألفين واثنين وعشرين قدرة الشعب الألماني على حمل الطبقة السياسية الألمانية على الاستجابة لتطلعاته من خلال معركة طويلة النفس ضد الطاقة المولدة من الذرة.
 
وصحيح أن كارثة " فوكوشيما" النووية اليابانية التي لم تطوق حتى اﻵن هي التي ساهمت إلى حد كبير في جعل ربع مليون ألماني ينزلون إلى الشوراع يوم الخامس والعشرين من شهر مارس/آذار الماضي لمطالبة المستشارة اﻷلمانية باتخاذ قرار التخلي عن استخدام التكنولوجيا النووية لتوليد الطاقة.
 
ولكن ﻻ ننس برغم ذلك أن معركة الرأي العام اﻷلماني ضد التكنولوجيا النووية كوسيلة للحصول على مصادر الطاقة لم تنطلق في اﻷمس القريب. ولكنها بدأت تنضج في سبعينات القرن الماضي. وهي التي كانت إلى حد كبير وراء نشأة حزب الخضر اﻷلماني في الثمانينات. بل إنها حملت التحالف الحكومي بين الحزب اﻻشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر على اتخاذ قرار التخلي التدريجي عن المفاعلات النووية عام ألفين وواحد. وإذا كانت المستشارة الألمانية الحالية قد طعنت في هذا القرار العام الماضي، فإنها اضطرت هذه المرة مرغمة تحت ضغط الشارع إلى إقراره من جديد.
 
 من دروس هذا القرار الجريء الأخرى أنه من شأنه حمل ألمانيا على اختيار سياسة طاقوية على المدى المتوسط تقوم على البراغماتية ولا تولي ظهرها الاعتبارات البيئية. وهو أمر صعب جدا ولكنه ممكن. وكثيرون هم الذين يعتبرون اليوم أن تخلي ألمانيا عن مفاعلاتها النووية سيجعلها مضطرة إلى زيادة الاعتماد على الفحم الحجري الذي يساهم اليوم في تلبية قرابة نصف حاجاتها من الطاقة الكهربائية .ويدرك الألمان أن الفحم الحجري يتسبب أكثر من النفط والفحم في إفراز الغازات المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري. ولكنهم يحرصون في الوقت ذاته على تجاوز هذه العقبة من خلال الاستثمار في سبل خزن جزء من الغازات المنطلقة من المحطات العاملة بالفحم الحجري ومن خلال اﻻستثمار العلمي والتكنولوجي والمالي في مصادر الطاقات النظيفة ومنها أساسا الريح والشمس. وقد نجحت ألمانيا في زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة هذه بنسبة بلغت خمسة عشر فاصل تسعة بالمائة العام قبل الماضي. وهي تأمل في رفع هذه النسبة إلى خمسين بالمائة في حدود منتصف القرن الماضي.
 
ولعل أهم درس من دروس قرار ألمانيا التخلي عن مفاعلاتها النووية بالنسبة إلى الفرنسيين هو وضعهم حكاما ومحكومين أمام خيارين اثنين : إما إعادة النظر في سياسة الاعتماد على التكنولوجيا النووية لإنتاج ثلاثة أرباع حاجاتهم من الطاقة الكهربائية وإما الاستمرار في التأكيد على أن الخيار النووي لا مفر منه حتى تحصل كارثة نووية في البلاد وحتى يضطروا عندها إلى التسليم بأن بناء المستقبل بدون الاعتماد على الذرة أمر ممكن وأنه خيار أسلم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم