تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

هل يكون ديفيد بوكيل بوعزيزيَّ ثورة بيئية عالمية ؟

سمعي
( فيسبوك)

إقدام محام أمريكي على إضرام النار في نفسه احتجاجا على سلوك الناس السيئ مع البيئة يطرح عدة أسئلة منها واحد يريد طارحوه معرفة ما إذا كان هذا الشكل من أشكال الاحتجاج على طريقة تعامل الإنسان مع الكرة الأرضية يمهد لثورة بيئية عالمية يكون هذا المحامي رمزَها على غرار ما كان محمد البوعزيزي رمزَ ثورة " الخبز والكرامة " في تونس ورمزَ الحراك المعروف باسم " الربيع العربي ".

إعلان

قليلة جدا هي وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في البلدان العربية التي اهتمت بإقدام محام أمريكي يدعى ديفيد بوكيل على سكب البنزين على جسده وإضرام النار فيه يوم 14 أبريل-نسيان عام 2018 دفاعا عن البيئة. بل إن خبر موت المحامي الأمريكي على هذه الشاكلة أُدرج في صفحات المنوعات بالنسبة إلى وسائل الإعلام القليلة التي اهتمت-في البلدان العربية-بالحدث بعد وقوعه. أما في البلدان الغربية، فإن موت المحامي الأمريكي على هذه الشاكلة أثار جدلا واسعا عبر وسائل الإعلام والتواصل لايزال مستمرا ويمكن تلخيص مضمونه من خلال السؤال التالي: هل يكون بوكيل بوعزيزيَّ الثورة البيئية العالمية؟

ويتضح من خلال مواقف الذين شاركوا في هذا الجدل والذين يميلون إلى الرد بنعم حول السؤال المطروح أن لديهم حججا كثيرة منها أن هذا المحامي الأمريكي يُعَدُّ بحق رمزا وأيَّ رمز لمعاناة الكرة الأرضية التي تختنق أكثر فأكثر بسبب تلوث أجوائها وبحارها ومحيطاتها ويابستها وما تحت اليابسة. فكثيرا ما يعمد الناشطون البيئيون إلى تكبيل أنفسهم بسلاسل أو إلى الإضراب عن الطعام احتجاجا على إجراءات يرون أنها تسيئ إلى البيئة. أما أن يسكب أحدهم البنزين على نفسه وأن يُضرم النار في جسده احتجاجا على مصادر الوقود الملوثة ومنها البنزين وأن يفعل ذلك وهو يدرك تماما أنه لا يمكن إنقاذه من الموت، فهذا حدث استثنائي.

زد على ذلك أن نص الرسالة التي كتبها ديفيد بوكيل وأرسلها إلى بعض وسائل الإعلام الأمريكي قبيل سكب البنزين على جسده وإضرام النار فيه يمكن أن يُعَدَّ من النصوص القليلة التي سيحتفظ بها التاريخ على غرار رسالة "سياتل" أحد زعماء قبائل الهنود الحمر في أمريكا في منتصف القرن التاسع عشر باعتبارهما نصين مهمين في مجال الدفاع عن البيئة في العصر الحديث.

ومما يقوله المحامي الأمريكي بوكيل في رسالته قبيل إضرام النار في جسده مما أودى بحياته: "...غالبية الآدميين يتنفسون اليوم هواء مسموما بسبب مصادر الوقود الأحفوري ويموتون في غالب الأحيان قبل أوان موتهم. ومَوْتِي المُعَدُّ له بشكل مسبق بواسطة مصدر من هذه المصادر يبين الأذى الذي نُلحقه بأنفسنا ..." وفي الرسالة ذاتها، أعرب كاتبها قبيل سكب البنزين على جسده عن أمله في أن يستوعب الناس من بعده درسا مفاده أنه من الضروري الحفاظ على صوت ما يصفه بـ " بيتنا الأرض ".

ويُذَكر هذا المقطع من الرسالة من بمقطع جاء في رسالة زعيم الهنود الحمر سياتل عام 1854 والتي قال فيها منتقدا سلوكيات الرجل الأبيض الذي عزا القارة الأمريكية وكان يظن أنه قادر على شراء كل شيء فيها بالمال والقوة. ويقول سياتل في هذا المقطع في صيغة استنكارية: "كيف نستطيع أن نبيع أو نشتري السماء ودفء الأرض؟ ما أغرب هذه الأفكار!!!كيف نبيع طلاقة الهواء؟ كيف نبيع فقاقيع الماء ونحن لا نملكها؟". ويستمر زعيم إحدى قبائل الهنود الحمر وهو يتحدث عن أهمية الحفاظ على الطبيعة فيقول: " هذه المياه التي تُشع وهي تجري في السواقي والأنهار ليست مياها، إنها دماء أجدادنا. وإذا قررنا أن نبيعك بلادنا فاذكر (أيها الرجل الأبيض) أنها مقدسة. وقل لأبنائك إنها مقدسة. كل طيف يتراءى في صفاء مياه البحيرات ينبئك عن ذكريات شعبنا وتاريخه. وما تهمس به المياه هو صوت جدي. هذه الأنهار إخوتنا. إنها تطفئ ظمأنا، وتحمل مراكبنا، وتُطعم أطفالنا. وإذا قررنا أن نبيعك بلادنا، فاذكر وعلّم أبناءك أن هذه الأنهار إخوتنا وعليك أن تحبها كما تحب من ولدته أمك."

هذه إذن خلاصة عن بعض الحجج التي يرى أصحابها أن المحامي الأمريكي ديفيد بوكيل رمز لثورة " الهواء والكرامة " بالنسبة إلى كوكب الأرض والتي تحدث عنها المحامي ضمنا في الرسالة التي تركها قبيل إضرام النار في جسده في صباح الرابع عشر من شهر نيسان بحديقة " بروسبيكت بارك" في حي " بروكلين " أحد أحياء نيويورك. أما الذين لا يشاطرون هذا الموقف، فإنهم يرون أن المحامي قد يكون وصل إلى حالة من الإحباط واليأس لا علاقة لها بالضرورة بمعركته من أجل البيئة إلى حد جعله يقدم على الانتحار من خلال إضرام النار في نفسه. ويضيف هؤلاء فيقولون إن إقدام هذا الشخص أو ذاك على سكب البنزين على جسده وإضرام النار فيه أصبح بعد البوعزيزي ظاهرة تتكرر باستمرار. ولكن نيران الأجساد المحترقة لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج التي ينتظرها منها أصحاب الأجساد المحترقة. فليس كل من حذا حَذْو محمد البوعزيزي في سلوكه قادرا على تبوؤ منزلته.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.