تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

أي مكان للبيئة والتنوع الحيوي في برامج المرشحين الفرنسيين للانتخابات الأوروبية؟

سمعي
مسيرة شعبية في باريس يوم 18 مايو 2019 احتجاجا على مُجمَّع " مونسانتو" العملاق المتخصص في صناعة الأسمدة والمبيدات الكيميائية

كيف تبدو القضايا والملفات المتصلة بالتغير المناخي والتنوع الحيوي في برنامج المرشحين الفرنسيين لانتخابات البرلمان الأوروبي من الـ23 إلى الـ26 من شهر مايو-أيار عام 2019؟ ولماذا طغت الاعتبارات البيئية على الناخبين الأوروبيين في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019 أكثر بكثير مما كان عليه الأمر في الانتخابات التي سبَقتها؟ كيف تتعامل الأحزاب السياسية الفرنسية المشاركة في هذه الانتخابات مع سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البيئية؟ سنسعى إلى الرد على هذه الأسئلة المحورية الثلاثة التي تشكل جوهر مادة هذه الحلقة من البرنامج الأسبوعي المخصص لقضايا البيئة والتنمية.

إعلان

الفرق بين نواب البرلمانات الوطنية ونواب البرلمان الأوروبي

لابد من الإشارة إلى أن حصة فرنسا في البرلمان الأوروبي هي 74 مقعدا من بين 751 مقعدا وأن الأحزاب السياسية الفرنسية تقدمت إلى انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو عام 2019 بأربع وثلاثين قائمة يمكن لكل واحدة منها الحصول على عدد من المقاعد إذا أحرزت خمسة في المائة من أصوات الناخبين. وإذا كان النائب في البرلمانات الوطنية يُنظر إليه باعتباره مُحاميَ مواطني هذا البلد أو ذاك، فإن النائب في البرلمان الأوروبي مُطالَب بالدفاع عن مصالح مواطني كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ولديه دور أساسي في سن التشريعات الأوروبية المتعلقة بجوانب مهمة في حياة المواطنين الأوروبيين منها مثلا تلك التي تتعلق بمواصفات الأمن الغذائي الصحية. ونواب البرلمان الأوروبي مدعوون مثلا إلى المساهمة بشكل فعال في تعزيز التشريعات الوطنية التي يُراد من ورائها حماية البيانات الخاصة عن حياة المواطنين من رغبة مؤسسات العمل أو من كبرى الشركات المتخصصة في الاقتصاد الرقمي في استخدامها في أغراض لا علاقة لها بالعلاقة التي ينبغي أن تكون بين أرباب العمل والعاملين في هذه المؤسسات.

ما الذي حصل بين انتخابات 2014 وانتخابات 2019؟

لماذا فرضت البيئة نفسها على الحملة الانتخابية التي مهدت لهذه الانتخابات أكثر مما كانت عليه الحال منذ انتخابات البرلمان الأوروبي الأولى عام 1979؟

الواقع أن هناك عدة عوامل ساهمت في تنزيل المواضيع المتصلة بالبيئة منزلة خاصة في الحملة الممهدة لانتخابات البرلمان الأوروبي عام2019 وأهمها ثلاثة وهي التالية:

-أولا: تفاقمُ مشاكل انعكاسات التغير المناخي وتدهورِ التنوع الحيوي على حياة المواطنين الأوروبيين.

ثانيا: تكرر ملفات الفضائح المتصلة بأمن المواطنين الأوروبيين الغذائي رغم وجود تشريعات كانت قد اتُّخذت سابقا من قِبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي ولكنها غير مطبقة كما ينبغي.

ثالثا: تزايد مظاهرات منظمات المجتمع المدني الشبابية بشكل خاص في دول الاتحاد الأوروبي احتجاجا على تقصير أصحاب القرارات السياسية والاقتصادية في أخذ تلازم مسارات الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الحسبان في كل المشاريع التنموية.

بعبارات أخرى يمكن القول إن هذه العوامل الثلاثة فرضت نفسها في دول الاتحاد الأوروبي بين انتخابات 2014 و2019 الأوروبية. فبالنسبة إلى الفرنسيين على سبيل المثال، شهدت بلادهم حدثين مهمين في السنوات الأخيرة لديهما علاقة بتدهور أوضاع المناخ والتنوع الحيوي. ففي نهاية عام 2015 تم التوقيع في باريس على أول اتفاق عالمي يُلزم الأسرة الدولية كلَّها بالعمل على الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيفِ مع انعكاسات ظاهرة الاحترار. وفي باريس أيضا كُشف في السادس من شهر مايو عام 2019 عن نتائج الأبحاث العلمية التي أجريت منذ عام 2005 عن المخاطر التي تهدد التنوع الحيوي والتي تخلص كلها إلى أن سلوكيات الإنسان غيرَ الرشيدة في التعامل مع الموارد الطبيعة ومع التنوع الحيوي قد تهدد مليونا من الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة حتى الآن بالانقراض في غضون عقود قليلة علما أن مجمل هذه الأنواع المعروفة يُقدَّر عددها بثمانية ملايين نوع.

وقُبيل انتخابات البرلمان الأوروبي بأيام، تظاهرت منظمات المجتمع المدني في عدة دول من دول الاتحاد الأوروبي احتجاجا على استمرار السماح باستخدام مواد كيماوية مضرة بصحة الإنسان والحيوان والبيئة في الفضاء الأوروبي. وهو مثلا حال مبيد للأعشاب الطفيلية يُسمى " الغليفوسات" وتُنتجه مجموعة " مونسانتو" الأمريكية المتعددة الجنسية. وهي أكبرُ مُجمَّع في العالم لصناعة الأسمدة الكيمائية المستخدمة في المجال الزراعي.

الحزب الفرنسي الحاكم والاعتبارات البيئية

كل هذه الاهتمامات حضرت بقوة في أكثر من عشرين قائمة من قائمات فرنسا للانتخابات الأوروبية والبالغ عددها أربعا وثلاثين قائمة. ومنها مثلا قائمة حزب الأغلبية الحاكمة " الجمهورية إلى الأمام" والذي أسسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ومن المآخذ التي أُخذت على قائمة هذا الحزب أنه وضع فيها في المرتبة الثانية باسكال كانفين الذي كان على رأس الفرع الفرنسي لمنظمة الصندوق العالمي للطبيعة والذي كان ينتقد سياسة ماكرون البيئية. بل إنه كان قد رفض من قبل طلَب الرئيس الفرنسي للحلول محل نيكولا هولو وزير البيئة الفرنسي السابق الذي استقال في نهاية أغسطس –آب عام 2018 احتجاجا على سياسة ماكرون البيئية. ويقول كانفين وهو يسعى إلى دحض التهم الموجهة إليه بشأن موقفه من الرئيس الفرنسي وسياسته البيئية: "يأتي الاهتمام بطابع أزمة المُناخ الملح في صدارة أولويات مشروعنا لأننا تعرف أنه لابد من التحرك اليوم قبل الغد للتصدي لظاهرة الاحترار ولأن التحرك غدا لا يُفيد بعد فوات الأوان في ما يخص هذا المسعى.

باسكال كانفين أحد مرشحي الحزب الحاكم في فرنسا إلى الانتخابات البرلمانية الأوروبية
باسكال كانفين أحد مرشحي الحزب الحاكم في فرنسا إلى الانتخابات البرلمانية الأوروبية

وأنا مع الرئيس إيمانويل ماكرون لأنه كان أول رئيس دولة في العالم رفض الدخول في مفاوضات تجارية مع الولايات المتحدة بسبب مواقف دونالد ترامب من القضايا البيئية ولاسيما بعد أن قرر سحب بلاده من اتفاق باريس حول المناخ. كان ماكرون أول رئيس يقول إن المناخ أهم من التجارة. وكثيرون هم الذين قالوا ذلك ولكنهم لم يتحركوا. فأين كان الاشتراكيون الذين يحكمون في إسبانيا؟ وأين هم الخضر السويديون المشاركون اليوم في الحكم؟ أين هم حلفاء مارين لوبين زعيمة اليمين الفرنسي المتشدد وبينهم الإيطالي سالفيني الذي يقول إنه لابد من تغيير قواعد التجارة العالمية ولكنه لا يفعل شيئا؟ الوحيد الذي تحرك في هذا الشأن هو ماكرون وأنا فخور بذلك وهذا دوره لأنه ضامن اتفاق باريس الدولي حول المناخ على الساحة الدولية".

ويضيف باسكال كانفين الذي يأتي في المرتبة الثانية على قائمة الحزب الحاكم في فرنسا للانتخابات البرلمانية الأوروبية فيقول في ما يتعلق بالتزامات فرنسا بشأن اتفاق باريس حول المناخ: " أود العودة هنا إلى ما تقوله منظمات المجتمع المدني الأوروبية التي تنشط في بروكسيل، وهو ما أشدد عليه شخصيا. فهذه المنظمات تقول من جهة إنه ليس ثمة بلد واحد في العالم في مستوى ما ينبغي القيامُ به للحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي. وهي تقول من جهة أخرى إن فرنسا تأتي في المرتبة الثالثة بعد السويد والبرتغال في ما يتعلق بهذه الجهود على مستوى الاتحاد الأوروبي".

الجرائم البيئية بين الأقوال والأفعال

كثيرة هي الأحزاب الفرنسية التي تنتقد سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البيئية ومنها حزب " الخضر" الذي وضع اسم يانيك جادو على رأس قائمته لانتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019. ومما يطالب به هذا الحزب في برنامجه الانتخابي إنشاء نيابة أوروبية متخصصة في الجرائم والجنح البيئية. وتذهب أحزاب أخرى تنتمي أساسا إلى اليسار إلى حد المطالبة بإنشاء محكمة دولية تبت في هذه الجرائم والجنح. ومنها حزب " أجيال " الذي أسسه بونوا هامون الذي تحمل قائمته لانتخابات البرلمان الأوروبي تسمية" الربيع الأوروبي".

يانيك جادو يترأس  قائمة  مرشحي " حزب الخضر"
يانيك جادو يترأس قائمة مرشحي " حزب الخضر"

ويقول يانيك جادو رأس قائمة حزب " الخضر " الفرنسي لانتخابات البرلمان الأوروبي ملخصا بعض الانتقادات التي توجهها عدة أحزاب فرنسية يسارية أو قريبة من اليسار إلى سياسة ماكرون البيئية: "لقد رفعنا كمياتِ النفط الرملي الذي نستورده بنسبة خمسين في المائة علما أنه أكثرُ أنواع النفط تلويثا من تلك التي تُستخرج من الأرض. ودعوني أيضا أُذَكِّرْ بموافقة الرئيس الفرنسي على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وكندا ووقوفِه إلى جانب مبدأ التفاوض لإبرامِ اتفاق مُماثل مع مجموعة " الميركوسور" التي تضم البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. والحقيقة أن إبرامَ هذا الاتفاق سيؤدي إلى نهب ثروات بيئة الأمازون الطبيعية وتحويلِها إلى مزارع لتربية البقر. هذه المواقف لا تجسد مبدأَ السيادة الأوروبية الغذائية التي يتحدث عنها ماكرون ولا مبدأَ السيادة الأوروبية المُناخية. إن ذلك يعني عولمةَ التغذية وعولمةَ عذاب الحيوانات وتفاقمَ مشكلة الاحترار المُناخي. في نهاية المطاف أقول لماكرون شكرا على ما يقول بشأن الاعتبارات البيئية. ولكن الأمر الوحيد الذي يَهمُّ المواطنين الفرنسيين بشكل خاص والأوروبيين عموما هو ما يُفعل وليس ما يُقال. وفي ما يخص الأفعالَ أقول إن إيمانويل ماكرون يُشارك في صنع الأزمة أكثرَ مما يُساهم في تسويتِها".

حركة "السترات الصفر" وضريبة الكربون

ما يثير الانتباه في القائمات الفرنسية لانتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019 أن ثلاثا منها تقول إنها تُعبر عن هموم حركة " السترات الصفر" التي انطلقت في نوفمبر-تشرين الثاني عام 2018 والتي كان فرضُ ضريبة الكربون أحدَ الأسباب الرئيسية وراء انطلاقها بعد أن لوحظ أن شرائح عديدة مهمشة في المجتمع الفرنسي غير قادرة على تحمل هذا العبء من جهة وغير قادرة من جهة أخرى على التخلي عن السيارة بسبب عدم وجود وسائل نقل بديلة.

وهذا المحور جوهري في برنامج حزب " فرنسا الأبية " المنتمي إلى أقصى اليسار الفرنسي والذي يقوده جان لوك ميلانوشون. ويتم التركيز في برنامج هذا الحزب على قاعدة يطالب باعتمادها في كل دول الاتحاد الأوروبي وتتحدث عنها مانون أوبري التي تترأس قائمة مرشحي هذا الحزب إلى انتخابات البرلمان الأوروبي، فتقول: " اقترحنا مشروعا بهدف تحويله إلى توجيه أوروبي يُعمَّم على كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول ما نسيمه " القاعدة الخضراء". وأساس هذه القاعدة ألا نأخذ من كوكب الأرض أكثر مما هي قادرة على منحنا من ثروات طبيعية قادرة على التجدد. لابد أن تكون هذه القاعدة بوصلة كل السياسات الأوروبية في المجال التنموي.وصحيح أن هناك علاقة عضوية بين تخوف الفئات الفقيرة والهشة من اقتراب نهاية الشهر بسبب الإمكانات المادية المحدودة جدا من جهة وتخوف الناس من نهاية الكون بسبب سلوكيات الإنسان غير الرشيدة مع البيئة من جهة أخرى. فكبار الأثرياء هم الذين يتسببون في نهاية المطاف في هذه المخاوف. فهم يفرزون غالبية الانبعاثات الحرارية ولكن الحكومة الفرنسية طلبت من الفئات الفقيرة والمهمشة تحمل عبء ضريبة الكربون بدل أن يتحملها كبار الملوثين ولاسيما الشركات الكبرى المتعددة الجنسية. وصحيح أن الحديث عن البيئة أصبح حديث الساعة وأصبحت كل الألسنة تتداوله. ولكننا نلاحظ في الوقت ذاته أن كثيرين يتحدثون دون أن يقرنوا القول بالفعل".

مانون أوبري على رأس قائمة حزب " فرنسا الأبية
مانون أوبري على رأس قائمة حزب " فرنسا الأبية

كيف يتعامل حزب " فرنسا الأبية" مع مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة؟ تقول مانون أوبري: "ينبغي علينا في غضون عام 2050 تأمين حاجاتنا من الطاقة من هذه المصادر. هذا أمر حسن لأنه سيساهم في خلق 9 مائة ألف موطن عمل ولأنه قادر على خفض فاتورة استهلاك الطاقة إلى النصف لدى الفئات الاجتماعية الهشة بفضل الحد في الفقدان الحراري في المباني المسرفة في استهلاك الطاقة مما ينعكس إيجابا على موازنات الأسر التي لديها مداخيل محدودة. أما بالنسبة إلى الذين يصرون على ضرورة ارتفاع نسبة النمو، فإني أقول إن تطبيق مبدأ " القاعدة الخضراء" يمكن أن يؤمن سنويا نسبة نمو تقدر بأربعة في المائة.".

وبصرف النظر عن نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2019، فإن هناك قناعة اليوم لدى خبراء البيئة بأن الشارع الأوروبي سيتحرك بشكل أفضل مما كان عليه الأمر حتى الآن للضغط على كل نائب من نواب البرلمان الأوروبي أيا تكن توجهاتهم كي يتعاونوا بجدية للبت في المواضيع المتعلقة بسلامة الأغذية وبالتصدي لسلوكيات المنتجين التي تلحق أضرارا جسيمة بالبيئة وبالعمل على المساهمة في بلورة تشريعات خاصة بهذه المواضيع ومواضيع أخرى متصلة بهموم المواطن الأوروبي اليومية.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن