تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

كيف هو حال التنوع الحيوي في فرنسا؟

سمعي
الصورة (يوتيوب)
12 دقائق

في هذه الحلقة من البرنامج الأسبوعي المخصص لقضايا البيئة والتنمية المستدامة نسعى إلى التركيز على أهمية مبدأ التنوع الحيوي والتوقف عند طرق الالتزام بهذا المبدأ وتعزيزه وبعض المآخذ التي تؤخذ على السلطات الفرنسية في ما يتعلق بالإجراءات التي اتخذت أو لم تُتخذ للحفاظ على التنوع الحيوي. كما نتوقف عند بعض المبادرات المتخذة من قبل المواطنين الفرنسيين والتي يمكن أن تكون مثالا يُحتذى في بلدان أخرى لإثراء التنوع الحيوي.

إعلان

مفهوم التنوع الحيوي

كثيرون عم الذين لايزالون يظنون في بلدان الشمال والجنوب على حد سواء أن الاهتمام بالتنوع الحيوي من الكماليات. ولكن الباحثين في مجال علاقة البيئة بالتنمية المستدامة يؤكدون اليوم أكثر فأكثر أن العناية بالموضوع ضرورة قصوى. ومن هؤلاء الباحثين مدير دائرة البيئة وإدارة التنوع الحيوي في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا روبير باربو الذي يقول في ما يخص مفهوم التنوع الحيوي: "

التنوع الحيوي هو عبارة جديدة لمصطلح قديم هو تنوع الأوساط الحية. وهذا التنوع خاصية من خاصيات الحياة ونتلمسه بشكل خاص عبر الأنواع الحيوانية والنباتية. وقد تعرفنا حتى الآن إلى قرابة مليون ونصف المليون منها. أما الأنواعُ التي ربما لا نعرفها فيُقدَّر عددها بين عشرة ملايين وعشرين مليون نوع. إن التنوعَ الحيويّ هو أيضا التغير الجيني الذي نجده في صفوف كل جنس من الأجناس النباتية والحيوانية ولدى جنس الإنسان. ونحن نراه أيضا في الطبيعة عبر تعدد أشكالها أو ما يُعرف باسم النُّظُم البيئية.  كل هذا يعطينا فكرة حية عن التنوع الحيوي.

والجزء الأكبر من التنوع الحيوي نجده في المناطق ذات المناخ المداري أي في بلدان الجنوب عموما. والتعاملُ مع التنوع الحيوي لديه انعكاسات على العلاقات البشرية في الكرة الأرضية لاسيما وأنه يحتوي على مصادر بيولوجية حيوية بالنسبة إلى الإنسانية. وبإمكان ذلك التسببُ في نزاعات على خلفية تضارب المصالح ورهانات بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب لاستغلال هذا التنوع الحيوي."

مخاطر تهدد التنوع الحيوي في فرنسا

يُقدر عددُ الكائنات الحيوانية والنباتية التي تُشكل مصدرَ التنوع الحيوي الأساسي في فرنسا بنحوِ مائة وثمانين ألف نوع. ومن أهم المخاطر التي تُهدد التنوعَ الحيويَّ الحيوانيَّ في المناطق الريفية الفرنسية استخدامُ الأسمدة الكيميائية لتخصيب أتربة الأراضي الزراعية أو لمقاومةِ الآفات الطبيعية.

وقد أثبتت الأبحاثُ العلمية أن منوالَ الزارعة المُكثفة وتغييرَ البنى التحتية في المناطق الريفية عاملان مُهمان من تلك التي أدت في العقود الأربعة الأخيرة إلى التأثير سلبا في عمليةِ تكاثر الفراشات والطيور بشكل طبيعي مما جعل أعدادَ الطيور التي تعيش في الحقول تنخفض بنسبة الثلث خلال العقود الثلاثة الماضية.

ومن العوامل الأخرى المهمةِ التي ساهمت في اختلال التوازن البيئي في فرنسا وفي إضعافِ دينامية التنوع الحيوي في هذا البلد تزايدُ رقعة ما يُسمى "الأراضِيَ الاصطناعية" أي تلك التي شُقَّت فيها طرقات أو أقيمت فوقها منشآت صناعية أو سكنية أو ترفيهية أو غيرها من المنشآت. وفي عاَميْ 2015 و2016 بلغت مساحة الأراضي الزراعية التي حُوِّلت إلى طرقات أو أقيمت فوقها منشآت أربعَ مائةِ ألف هكتار.

وصحيح أن دقَّ ناقوس الخطر في فرنسا في ما يخص المخاطرَ المتعددة التي تهدد التنوع الحيوي بدأ مع بدايات القرن العشرين ولاسيما منذ عام 1912 أي منذ العام الذي شهِدَ إطلاقَ رابطةِ حماية الطيور في البلاد. ومع ذلك فإن أولَ قانون يعترف بمسئولية الإنسان في الإساءة إلى التنوع الحيوي وأهمية مبدأ التنوع الحيوي لم يُسَنَّ إلا في عام 2016.

خطة هولو لتعزيز التنوع الحيوي في فرنسا

في الأسبوع الأول من شهر يوليو –تموز عام 2018 كشف وزير الانتقال البيئي الفرنسي السابق نيكولا هولو عن خطة أقرتها الحكومة الفرنسية للحفاظ على التنوع الحيوي وتعزيزه في البلاد.

من أهم الإجراءات المتخذة لدعم منظومة التنوع الحيوي تلك التي يُراد من ورائها الحيلولةُ في المستقبل دون اتساعِ رقعة ما يُسمى " زحفَ الإسمنت " أي إقامةَ طرقات ومبان ومنشآت فوق أراض هي في الأصل أراض زراعية أو مساحات خضراءُ تُستخدم لأغراض أخرى. وقد التزمت الحكومة الفرنسية في هذا الشأن بالحيلولة دون اتساع رقعة ما يُمكن وصفُه بـ " الأراضِي الإسمنتية " وبالعمل-كلما أُدرجت أراض في هذه القائمة-على توسيع رقعة المساحات الخضراء بطرق متعددة منها مثلا إقامةُ 22 محمية طبيعية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثَ سنوات.

ومما يثير الانتباه في إجراءات الحكومة الفرنسة الرامية إلى الحفاظ على التنوع الحيوي واحد يَهدف إلى مجازاة المزارعين الذين يَتولَّوْن القيامَ بمبادرات وأنشطة من شأنها تعزيزُ هذا الاتجاه من خلال توفير الظروف الملائمة التي تسمح مثلا للطيور وحيوانات أخرى بالتكاثر بشكل طبيعي. وخصصت الحكومة لهذا الغرض مبلغا ماليا قدرُه مائة وخمسون مليون يورو خلال الفترة الممتدة من عام 2019 إلى عامِ 2021.

من الإجراءات الأخرى التي اتخذنها الحكومة الفرنسية في يوليو 2018 لتعزيز مبدأِ التنوع الحيوي في البلاد تقليصُ حجم كميات البلاستيك التي تجرفها المياه والرياح وتُلقيها في البحر ورفعُ كميات البلاستيك القابلِ للتدويرِ والذي لا يُسيء إلى البيئة والتنوع الحيوي. والملاحظ أن نسبة تدوير مادة البلاستيك في فرنسا لا تتحاوز حتى الآن 22 في المائة.

 

عمل فرنسي غير كاف

كثير من الناشطين في مجال البيئة في فرنسا يرون أن الخطة التي أُقرت من قبل الحكومة الفرنسية في يوليو – تموز عام 2018 بشأن تعزيز التنوع الحيوي في البلاد لم تكن في مستوى التحديات المطروحة. ومن أهم المآخذ التي أُخذت على وزير الانتقال البيئي السابق نيكولا هولو أنه لم ينجح في إقناع الحكومة بضرورة التعجيل بمنع استخدام مبيد كيميائي يُستخدم للقضاء على الأعشاب الطفيلية هو مبيد " الغليفوسات" الذي منعت منظمة الصحة العالمي استخدامه لأنه مبيد قادر على التسبب في أمراض سرطانية تطال مُستخديمه والمستهلكين بالإضافة إلى آثاره السلبية على التنوع الحيوي.

والواقع أن زير الانتقال البيئي الفرنسي السابق نيكولا هولو اضطر إلى الاستقالة في أغسطس-آب عام 2018 لأنه يرى أن الحكومة التي كان ينتمي إليها ليست لديها رؤية وطموح واستراتيجية واضحة المعالم وكافية لمواجهة المشاكل البيئية ومنها مشكلة تدهور أوضاع التنوع الحيوي في البلاد. هذا ما كان يتضح جليا مثلا من خلال الكلمة التي ألقاها الوزير السابق أمام مجلس النواب الفرنسي في شهر مارس –آذار من العام ذاته أي قبل أن تعرض الحكومة على المجلس المشروع الذي أعده الوزير عندما كان يتولى مهامه. فلقد قال هولو في ما قال وهو يخاطب النواب " ...  تدهورَ وضع التنوع الحيوي في أوروبا عبر انخفاض عدد الطيور بنسبة 30 في المائة خلال بضع سنوات وعبر انخفاض أعداد الحشرات بنسبة 80 في المائة. وفي الأسبوع الماضي، انقرض آخر كركدن أبيض اللون في إفريقيا. ما حصل ويحصل في هذا الشأن لا يُحدث عندي ألما أو استياء. بل أنا استحي من ذلك. أستحي من أن يتسبب الإنسان في مرحلة الانقراض السادسة التي تشهدها الكرة الأرضية في ما يخص كائناتِها الحية. أستحي من مقاربة هي التالية: بقدر ما نُخَفّض حيزَ التنوع الحيوي بقدر ما نُحجِّم آفاق الاستعداد إلى المستقبل كما ينبغي الاستعدادُ.

ثمة اليوم مآس خفية لا نراها ولكننا نتكيف معها. أقول لكم إِنني لا أستطيع بمفردي القيامَ بأي شيء. ولذلك سأعرض عليكم خُطة للحفاظ على التنوع الحيوي وتعزيزِه في الأسابيع المقبلة. وأرى بصدق أن الغالبية تستخف بذلك. كلُّ ما في الأمر أني أريد المساهمة َفي هَبَّة غاضبة ونشِطة لأن هناك علاقة عضوية بين الإنسانية والتنوع الحيوي باعتبار أن مصيرَهما مشترك. ومن ثم فإني بحاجة إلى كل واحد منكم".

وزير الانتقال البيئي الفرنسي السابق نيكولا هولو ظل دوما يدعو منظمات المجتمع المدني والمستهلكين للمساهمة بشكل أفضل في الحفاظ على التنوع الحيوي وأشاد مثلا ببعض التجارب التي يقوم بها منذ سنوات المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي ومنها تجربة يُدعى في إطارها المواطنون منذ عام 2006 إلى مراقبة حشرات الليل. أما الهدف من وراء العملية فهو السعي إلى معرفة أثر النور غير الطبيعي في الليل على التنوع الحيواني والنباتي.

كما يدعو نيكولا هولو وزير الانتقال البيئي السابق في فرنسا لرفع عدد المحميات الطبيعية في البلاد انطلاقا من كونها خزانا حيويا للتنوع الحيوي ونظرا لتزايد المخاطر المحدقة بالحفاظ على هذا الخزان. وهو مثلا حال الزحف العمراني الذي يطال كل عام في فرنسا قرابة 65 ألف هكتار من الغابات والأراضي القابلة للزراعة أو التي هي جزء من الطبيعة. ولا يوجد اليوم في البلاد إلا 350 محمية طبيعية بينما يرى رئيس الجمعية الفرنسية للمحميات الطبيعية ميشيل ميتيه أنه بالإمكان إنشاء ألف محمية باعتبار أن"هناك غابات كثيرة وأراضي شاسعة. وهناك مواقعُ طبيعية ساحلية تستحق ألف مرة أن تتحول إلى محميات طبيعية لأن فيها أنواعا حيوانية ونباتية نادرة". ويخلص رئيس الجمعية الفرنسية للمحميات الطبيعية وهو يلح على تقصير السلطات الفرنسية في العناية بملف التنوع الحيوي فيقول:"

نحن في فرنسا غيرَ قادرين حتى على إنشاء محميات طبيعية صغيرة الحجم في السنة لا تتجاوز مساحة الواحدة منها ألف هكتار".

والملاحظ أن المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي هو مؤسسة تعنى بالبحث العلمي وبتبسيط المعلومة العلمية المتعلقة بالعلوم التي لديها علاقة بالعلوم الطبيعية لعامة الناس. وقد اتضح من خلال هذه المبادرة أن   عدد أنواع الفراشات التي تطير في الليل يزيد في فرنسا بعشرين مرة عن عدد الأنواع التي تطير في النهار. وهذه الخلاصة مهمة جدا بالنسبة إلى الباحثين الذين يهتمون بالتنوع الحيوي لأن الحشرات ومنها الفراشات تضطلع بدور هام في التوازن البيئي والتنوع الحيوي من خلال المساهمة مثلا في تلقيح الأشجار المثمرة وغير المثمرة والمزروعات.

وينوي باحثو المتحف الوطني الفرنسي دراسة كل المعلومات التي سيجمعها الفرنسيون في هذا السياق وتطعيم الأبحاث العلمية التي يقومون بها حول أثر الإنارة الاصطناعية في التنوع الحيوي والتي تُنشر أحيانا في كتب يشتريها الفرنسيون بأسعار رمزية أو توضع مجانا عبر الإنترنت لأنهم يساهمون في كتاب موادها.

وزير البيئة الفرنسي السابق نيكولا هولو

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.