تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

أن تكون وزيراً للبيئة في فرنسا: هل هي مهمة مستحيلة؟

سمعي
تظاهرة في مدينة مارساي الفرنسية للمطالبة بضرورة التحرك إزاء التغير المناخي/رويترز

مستمعي "مونت كارلو الدولية" وزوار موقعها الإلكتروني مرحبا بكم في هذا البرنامج الأسبوعي المخصص لعلاقة البيئة بالتنمية المستدامة. حلقة اليوم يمكن أن نختزلها في سؤال محوري يصاغ أحيانا كثيرة في غالبية البلدان الصناعية والبلدان النامية وهو التالي: ماهي الأسباب التي تجعل من مهام وزراء البيئة أمرا معقدا جدا وعبئا ثقيلا يقود في غالب الأحيان إلى استقالة هؤلاء الوزراء أو إقالتهم؟

إعلان

سنسعى إلى الإجابة عن هذا السؤال انطلاقا من المثل الفرنسي بعد استقالة نيكولا هولو الذي استقال من منصبه كوزير للانتقال البيئي في 27 أغسطس-آب عام 2018 بعد مرور خمسة عشر شهرا على تعيينه فيه من قِبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

لابد من الإشارة في ما يتعلق بفرنسا إلى أن معدل قصر الفترة التي يقضيها الوزراء في مناصبهم تتعلق أساسا بوزراء البيئة وأن عدد الوزراء الذين تعاقبوا على هذا المنصب في السنوات العشرين الأخيرة يبلغ 13. بل إن نيكولا ساركوزي الذي كان رئيسا للجمهورية من عام 2007 إلى عام 2012 كان قد عيَّن أربعة وزراء في المنصب، والحال أن المدة الرئاسية لا تتجاوز خمس سنوات بينما تعاقب على المنصب ذاته خلال حكم الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند ثلاثة وزراء.

مشكلة البيروقراطية

ما الذي يقف يا تُرى وراء انطباع فيه كثير من المرارة ظل يردده غالبية الأشخاص الذين عُهد لهم في فرنسا في تولي منصب وزير البيئة في هذا البلد.

الواقع أن السنوات الثلاث التي قضاها روبير بوجاد أول وزير للبيئة في فرنسا في سبعينات القرن الماضي مكنته من التعرف بعمق إلى العوائق الكثيرة التي كانت تحول دونه ودون ممارسة مهامه بشكل يتيح على الأقل الحد من المشاكل البيئية إذا لم يكن بالإمكان وضع حد لها لسبب أو لآخر. ومن أهم هذه العوائق البيروقراطية. وهذا ما ألح عليه روبير بوجاد في كتاب أصدره عام 1975 تحت عنوان " الوزارة المستحيلة".

واهتدى كثير من الذين تعاقبوا من بعده على وزارة البيئة في فرنسا إلى الاستنتاج ذاته. وبين هؤلاء الوزراء وزيرتان سابقتان هما دلفين باتو التي بقيت في هذا المنصب سنة وأحد عشر يوما أي من الحادي والعشرين من يناير 2012 إلى الثاني من شهر يوليو 2013 خلال فترة حكم الرئيس السابق فرانسوا هولاند. لقد أقيلت هذه الوزيرة السابقة من منصبها لأنها وصفت الموازنة التي خصصت لموازنة الوزارة التي كانت تتولاها بـالموازنة " السيئة". وتطرقت بكثير من التفصيل-في كتاب نشرته عام 2014 عنوانه " عصية " في إشارة إلى صمودها كوزيرة سابقة للبيئة إلى تصرفات جماعات الضغط القوية التي كانت تحول دونها ودون القيام بعملها للدفاع عن الاعتبارات البيئية في مشاريع القوانين التي كانت تُعدُّها الحكومة وتعرضها على البرلمان أو الإجراءات التي كانت تتخذها في هذا المجال أو ذاك.

دو هرم السلطة التنفيذية كبير في الفشل

أما الوزيرة الفرنسية الأخرى من الوزيرات اللواتي تقلدن منصب وزارة البيئة واهتدين بسرعة إلى أن تولِّيَ مِثل هذه المهام يبدو أمرا شبه مستحيل إذا كانت الغاية منه المساهمة في جعل العمل الحكومي يأخذ في الحسبان بشكل جاد الاعتبارات البيئية، فهي محامية مختصة في شؤون البيئة تسمى " كورين لوباج". وحول دور هرم السلطة التنفيذية في تحمل مسؤولية جانب مهم من فشل وزراء البيئة في أداء مهامهم بشكل ناجع، تقول الوزيرة السابقة: " إنه امر معقد جدا في العالم كله أن تكون وزيرا للبيئة. فهذا الوزير يدافع عما يبدو في ثقافتنا الكلاسيكية شيئا يكلف الكثير ولكن مردوده قليل. والحقيقة أن العمل البيئي لديه فائدة كبيرة لأننت أمام وضع كارثي. وكل استثمار هو قطعا أمر أساسي للسماج بالتكيف مع انعكاسات التغير المناخي والتي علينا مواجهتها. ولا يكلفنا ذلك شيئا بالقياس إلى عدم التحرك للتصدي لهذه الانعكاسات.

وتضيف كورين لوباج قائلة:" كل هذا مرتبط بخيار رئيس الجمهورية. وأعتقد أننا سنكون إزاء مشكلة حقيقية في يوم ما. سنكون متضاربين مع أنفسنا: فنحن نريد من جهة أن نظهر بمظهر البلد الذي يرغب في أن يكون قاطرة العالم في مجال الدفاع عن البيئة وعن اتفاق باريس وكل القضايا البيئية الأخرى. ولكن لدينا من جهة أخرى سياسة في هذا الشأن بائسة وضعيفة في ما يتعلق بالأفعال التي نُنجزها. فلا ننس أننا رفعنا سقف انبعاثاتنا الحرارية في العام الماضي وأننا نرفع حجم المبيدات الكيميائية التي نستخدمها. نحن بكل صراحة لسنا في منزلة البلد الذي يضرب به المثل في هذا المجال".

تولت كورين لوباج مهامها على رأس وزارة البيئة الفرنسية من الثامن عشر مايو عام 1995 إلى الثاني من شهر يونيو 1977 إي خلال فترة حكم الرئيس الأسبق جاك شيراك. وقد نشرت هي الأخرى كتابا عن تجربتها على رأس وزارة البيئة عنوانه " لا نستطيع القيام بأي شيء سيدتي الوزيرة". وفي هذا الكتاب تحدثت كورين لوباج عن الطريقة التي تتولى من خلالها الجماعات الضاغطة العاملة لمصالح الصناعيين ونقابات كبار المزارعين النفاذ إلى قلب الإدارة الفرنسية وإلى مراكز القرار لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية فتجعل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة وغالبية الوزراء ميالين إلى الاستجابة إلى مطالب هذه الجماعات أكثر من الدفاع عن الاعتبارات البيئية بحجة الدفاع عن العمل والتصدي للمنافسة الاقتصادية ولكن على حساب الصحة والبيئة.

هولو ضحية خطاب ماكرون المعسول

بعد أن استقال نيكولا هولو من منصبه كوزير للبيئة في حكومة إدوار فيليب في 27 أغسطس عام 2018، قال إن صبره قد عيل عشية اتخاذ قرار الاستقالة لأنه رأى بأم عينيه شخصا من جماعات الضغط التي تدافع عن مصالح الصيادين يتحداه من خلال المشاركة في وضح النهار في جلسة عُقدت في رئاسة الجمهورية الفرنسية وانتهت بمنح الصيادين امتيازات لم يحصلوا عليها من قبل. ولكن متابعي مسار هولو ذكروا أكثر من مرة أن ما حمل هولو على الاستقالة هو قناعته بأنه استُخدم من قِبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليكون واجهة لخطاب ماكرون حول مشكلة التغير المناخي والذي لم يرفق بأفعال ملموسة.

وما يحز في نفس هولو الذي بقي في منصبه خمسة عشر شهرا فقط أنه خُدع بهذا الخطاب والحال أنه كان دوما يرفض دعوات الرؤساء الفرنسيين الذين كانوا يركضون وراءه لتعيينه وزيرا للبيئة. لكنه فضل البقاء كناشط في المجتمع المدني حتى لا يصاب بخيبة الأمل الكبيرة التي أصيب بها أسلافه في هذا المنصب.

ولكنه يقول إنه اهتدى بنفسه إلى أنه أخفق في الدفاع عن الاعتبارات البيئية لأن أُذن هرم السلطة أقربُ إلى صوت جماعات الضغط التي ترى أن الاعتبارات البيئية عائق والحال أنها ضرورة لحماية البيئة والصحة البشرية والحيوانية والكرة الأرضية برمتها. ومما يأخذه هولو على الرئيس ماكرون بعد استقالته وتعيين رئيس مجلس النواب فرانسوا دو روجي محله أنه رئيس الدولة الفرنسية لم يدرك بعدُ أن هناك بلدانا نامية صغيرة الحجم توصلت إلى جعل العناية بالمحميات الطبيعية معينِ التنوع الحيوي عصبَ الدورة الاقتصادية بينما لا تزال جهود فرنسا في هذا المجال دون المستوى المطلوب. فلا يوجد اليوم في البلاد إلا 350 محمية طبيعية بينما يرى رئيس الجمعية الفرنسية للمحميات الطبيعية ميشيل ميتيه أنه بالإمكان إنشاء ألف محمية باعتبار أن"هناك غابات كثيرة وأراضي شاسعة. وهناك مواقعُ طبيعية ساحلية تستحق ألف مرة أن تتحول إلى محميات طبيعية لأن فيها أنواعا حيوانية ونباتية نادرة". ويخلص رئيس الجمعية الفرنسية للمحميات الطبيعية وهو يلح على تقصير السلطات الفرنسية في العناية بملف التنوع الحيوي فيقول:" نحن في فرنسا غيرُ قادرين حتى على إنشاء محميات طبيعية صغيرة الحجم في السنة لا تتجاوز مساحة الواحدة منها ألف هكتار".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.