تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

هل تستحق فرنسا لقب "البطل" في المعاركِ من أجل كوكب أفضل؟

سمعي
الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال قمة " الكوكب الواحد" (رويترز)

منذ أن شهدت فرنسا التوقيع في عاصمتها باريس عام 2015 على الاتفاق التاريخي حول المناخ، أدرجت طبقتها السياسية الحاكمة في خطابها الموجه إلى الفرنسيين وإلى الأسرة الدولية فكرة مفادها أن هذا البلد مؤهل فعلا ليكون قاطرة العالم في مجال الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغيرات المناخية.

إعلان

الإلحاح على ضرورة الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي ولاسيما السلبية منها أمر في محله لأن اتفاق باريس حول المناخ يدعو البلدان الصناعية الكبرى والبلدان ذات الاقتصادات الناشئة والبلدان النامية إلى تحديد التزامات في ما يتعلق بالموضوع انطلاقا من قدرات كل بلد المالية والمعرفية والتكنولوجية.

وإذا كانت فرنسا قد ساهمت إلى حد كبير في إقناع الأسرة الدولية بالتوقيع على اتفاق باريس، فإنها أرادت أن تجعل من مساهمتها في تفعيل الاتفاق لبنة من لبنات الدبلوماسية الفرنسية وطريقة من طرق خصوصية الإشعاع الفرنسي في العالم. وعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية يونيو –حزيران عام 2017 أن بلاده ستخرج من اتفاق باريس، رد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل جعل الأسرة الدولية تنظر إليه باعتبار أن بلاده قادرة فعلا على أن تضطلع بدور ريادي في معارك بيئة أفضل من أجل كوكب أفضل وفي مقدمتها معركة المناخ.

خطاب طموح لتفعيل اتفاق باريس

وظل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يؤكد في خطاباته داخل فرنسا وفي المحافل الدولية على أنه يلعب فعلا هذا الدور. وهو ما شدد عليه مثلا خلال خطابه الثاني في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر عام 2018. فقد قال في مقطع من هذا الخطاب: "فلنلتزم بشكل واضح ولنكن جميعا واضحين وعمليين ومتناسقين في عملنا. إن ذلك أمر عاجل. لتكن أفعالنا متطابقة مع الالتزامات التي قطعناها على أنفسنا في إطار اتفاق باريس حول المناخ. علينا ألا نوقع اتفاقات تجارية مع القوى التي لا تحترم اتفاق باريس. فلنتحرك على نحو يجعل التزاماتنا التجارية تأخذ في الحسبان العوائق البيئية والاجتماعية. لنعبئ بشكل أهم الصناديق السيادية والممولين لخفض الاعتماد على الاقتصاد الكربوني".

ومضى الرئيس الفرنسي يقول في خطابه الذي ألقاه من على منبر الأمم المتحدة يوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر –أيلول عام 2018: "إن فرنسا ستواصل عملها الريادي على الصعيد الدولي بشأن هذه المعركة مع كل الأطراف الأخرى التي ترغب في ذلك. سنعمل في إطار مجموعة القوى الاقتصادية السبع الكبرى على رفع سقف التزاماتنا بالحد من الانبعاثات الحرارية بموجب اتفاق باريس. وإذا أراد أحد أعضاء هذه المجموعة عدم المضي قدما في هذا الاتجاه، فسنتقدم بدونه من خلال البحث عن تحالفات جديدة وأشكال جديدة من التعاون لتحقيق هذا الهدف. إن طابع مجموعة الدول السبع الكبرى هو أن تظل مجموعة موحدة متمسكة بالديمقراطية. ولكن على هذه المجموعة المساهمة اليوم في إنشاء تحالفات جديدة تسمح بالمضي قدما لإعادة تأسيس نظام عالمي جماعي.

فلنبن إذن أشكالا جديدة من التعاون لنحرز تقدما بشأن هذه المواضيع الأساسية ولنتخذ بشأنها قرارات. لا يمكننا التصدي بشكل ناجع لكل أشكال هذه الفوارق التي صدعت مجتمعاتنا إلا من خلال العمل الجماعي.".

والحقيقة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يكتف خلال خطابه من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدعوة لمقاطعة الدول التي لا تحترم اتفاق باريس حول المناخ. بل إنه حرص أيضا على هامش مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة على الإشراف مع أمين عام الأمم المتحدة على قمة " الكوكب الواحد" في دورتها الثانية. وكان إيمانويل ماكرون وراء انعقاد الدورة الأولى من هذه القمة في العاصمة الفرنسية في الثاني عشر من شهر ديسمبر –كانون الأول عام 2017 أي بعد مضي عامين على تاريخ التوصل إلى اتفاق باريس حول المناخ.

أما الهدف الأساسي من قمم " الكوكب الواحد فهو حث القطاع الخاص والصناديق السيادية والمؤسسات الأهلية التي تعنى بالبيئة والتي لديها إمكانات مادية ضخمة على الاستثمار في الاقتصاد الأخضر.

منظمات المجتمع المدني غير راضية عن ماكرون

لكل ذلك تولت الأمم المتحدة تكريم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي باعتبارهما بطلي العام البارزين في المجال البيئي.

ولكن المنظمات الأهلية الفرنسية ترى أن استقالة وزير الانتقال الفرنسي السابق نيكولا هولو في أغسطس-آب عام 2018 تدل على أن الرئيس الفرنسي ليس مؤهلا للحصول على لقب " البطل البارز". وتلخص رئيسة "مؤسسة الطبيعة والإنسان" أودريه بولفار الأسباب التي تجعل -حسب منظمات المجتمع الفرنسي- الرئيسَ الفرنسي غير مؤهل للحصول على هذا اللقب فتقول :"ربما يكون أداؤنا البيئي أقل سوء مما هو عليه أداء دول أخرى تعادل فرنسا في قوتها. ومع ذلك أظن أننا لسنا ابطالا في هذا المجال. فثمة فرق بين خطابات الرئيس الفرنسي الطموحة بشأن المناخ من جهة وواقع السياسة التي ينتهجها إزاء الملف من جهة أخرى. والواقع أن فرنسا لا تعمل على تعبئة الوسائل التي تسمح لها بتحقيق الأهداف التي رسمتها لنفسها للإيفاء بالتزاماتها تجاه اتفاق باريس حول المناخ.

وتعدد رئيسة "مؤسسة الطبيعة والإنسان" مواطن ضعف أداء الرئيس الفرنسي البيئي على المستوى الداخلي فتقول : "كل ما يتعلق بأداء فرنسا البيئي خلال الشطر الأول من ولاية ماكرون مخيب للآمال في ما يخص الملفات الأساسية. هذا ما ينطبق مثلا على القانون الذي اعتُمد بشأن الزراعة والأغذية والذي هو دون المستوى المطلوب بشأن أمور كثيرة منها تحديد أسعار المنتجات على نحو يُنصف المزارعين والتصدي للأسمدة الكيميائية وإعلام المستهلكين بشكل نزيه حول مواصفات مواد الاستهلاك لمعروضة في المحلات التجارية. وينطبق الأمر أيضا على العمل الوقائي لمعالجة البدانة المبكرة لدى الأطفال والحصول على أغذية سليمة بالنسبة إلى جميع المستهلكين".

هل يعني هذا أن الرئيس الفرنسي لم يقم بأي شيء في مجال حماية البيئة وحماية المستهلكين من الأضرار الناتجة عن المنتجات المشبعة بالأسمدة الكيميائية؟ تقول أودريه بولفار:" صحيح أن جهودا بُذلت في ما يخص نمط الغذاء المسؤول أو الذي يُعتمد فيه على الزراعة العضوية في المطاعم المدرسية. ومع ذلك فإن الفرق كبير بين الخطاب من ناحية والفعل من ناحية أخرى في مجالات كثيرة منها النقل... عموما ما يُعلن عنه الرئيس الفرنسي في مجال أداء فرنسا البيئي لايزال مخيبا للآمال إلى حد كبير".

بوادر أمل لدى المستهلكين

الحقيقة أنه بقدر ما تُجمع منظمات المجتمع المدني على أن هناك فرقا بين الخطاب الرسمي الفرنسي من جهة والأفعال من جهة أخرى في هذا المجال، بقدر ما ترى أن المستهلكين بدأوا فعلا يتحركون ليثبتوا أنهم أبطال في ما يخص الجهود الرامية على الأقل إلى خفض الانبعاثات الحرارية وذلك من خلال تغيير سلوكيات الاستهلاك. فكثير من المستهلكين الفرنسيين أصبحوا اليوم يحرصون على الحد من نفاياتهم المنزلية وعلى اقتناء أدوات غير مسرفة في استهلاك الطاقة. وأصبحوا حريصين أكثر من قبل على إغلاق حنفية المياه بشكل أفضل مما كان عليه الأمر من قبل لترشيد استهلاك هذا المورد الطبيعي. وكثير من المستهلكين الفرنسيين أصبحوا مقتنعين بأنهم قادرون على توفير أموال مهمة من خلال الاستهلاك الرشيد الذي يأخذ في الحسبان الاعتبارات البيئية. من هؤلاء الفرنسيين جوليان فيدال الذي أصدرت له دار " السوي " الباريسية كتابا عنوانه " يبدأ العمل مني شخصيا". والمراد من العنوان العمل على تغيير سلوكيات الاستهلاك.

يقول مؤلف هذا الكتاب مؤلف هذا الكتاب والذي يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاما:"نجحت في استحداث ثلاث مائة وخمسة وستين حركة من الحركات المندرجة في سلوكيات الاستدامة في حياتي اليومية. توصلت إلى ذلك من خلال وضعي كشخص يعمل ولديه راتب معقول جدا. وُفقت من خلال هذه السلوكيات في خفض الانبعاثات الحرارية التي أتسبب في إنتاجها عبر الاستهلاك. وفقت في خفض بصمتي الكربونية على خمس مرات ما كانت عليه من قبل. أقول هذا وأنا أعلم أن معدل هذه الانبعاثات التي ينتجها كل مستهلك في فرنسا تصل على عشرة أطنان. أنا لا أنتج اليوم إلا طنين اثنين في السنة من هذه الانبعاثات.

ولا ننس أننا نحتاج إلى قرابة ثلاثة كواكب مثل كوكب الأرض لنلبي حاجاتنا الاستهلاكية إذا انطلقنا من طريقة الاستهلاك الفرنسية.

في عام 2017، اهتديت على صعيد شخصي إلى اكتشاف لا يصدق. اهتديت إلى أنه لدينا كل الحلول للتحرك في حياتنا اليومية بشكل بناء يخدم الاعتبارات البيئية. لقد اهتديت إلى أني أسست لحلقة إيجابية في طريقتي الاستهلاكية. فهذه الحلقة سمحت لي بترشيد استخدام الوقت وبالاستهلاك بشكل أفضل والحصول على منتجات أحسن جودة. سمحت لي هذه الحلقة بشكل خاص بتوفير مبلغ مالي في الشهر قدره ثلاث مائة يورو.

وعندما تتحدث إلى الناس عن المبالغ المالية التي يمكن أن يوفروها عبر الاستهلاك الرشيد، فإنهم ينصتون إليك ويرون أن ما تطلبه منهم ليس تضحية.

الواقع أن أفضل اكتشاف توصلت إليه عبر سلوكياتي الجديدة مع الاستهلاك هو أنني لم أعد مستهلكا يتفرج على العالم. بل غدوت طرفا فاعلا في عالم أفضل. وبالرغم من أني واحد من سكان المعمورة والذين يُقدر عددهم بـ 7مليارات، فإني قادر على توجيه كوكبنا الوجهة التي تهمني.

ومهما يكن الأمر، فإنه لم يبق أمامنا متسع من الوقت للتحرك في هذا الاتجاه. وعلينا أن نسرع خطانا. ومن المهم أن نعرف أنه بإمكاننا نحن في فرنسا توفير إنتاج مائة مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. نحن لا نريد إشعار المستهلكين بأنهم مذنبون. بل نريد أن يكونوا مستهلكين مسؤولين. إن ذلك يغير كل شيء. فنحن نهتدي إلى أننا أصبحنا راشدين في العالم الذي نريد أن نعيش فيه".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.