تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

هكذا تنحرف الزراعة العضوية عن أسسها ومسارها وفلسفتها في أوروبا

سمعي
مُنتجات الزراعة العضوية فرضت نفسها شيئا فشيئا في أسواق الاتحاد الأوروبي- ويكيبيديا

في السنوات الأخيرة تعدت التجاوزات التي حصلت في هذا البلد أو ذاك من بلدان الاتحاد الأوروبي في ما يخص منتجات الزراعة العضوية حدود الحالات الاستثنائية التي لا يمكن الانطلاق منها للتشكيك بقدرة الزراعة العضوية على الاحتفاظ بكراس المشروط المفروض الأوروبي.

إعلان

فقد أصبحت هذه التجاوزات تفرض نفسها على أكثر من صعيد في بلدان الاتحاد الأوروبي مما جعل عددا من خبراء التغذية والزراعة يحذرون من مغبة انخراط عدة أطراف معنية بشكل مباشر أو غير مباشر في استراتيجية ترمي إلى استغلال علامة المنتجات الغذائية التي يتم الحصول عليها بواسطة الزراعة العضوية كعلامة للتسويق ليس إلا على حساب الأسس التي تقوم عليها هذه الزراعة.

الحقيقة أن كراس الشروط التي كان المزارع الأوروبي مضطرا من قَبْلُ إلى الالتزام بها كان يشدد على ضرورة أن يكون المكان المخصص لإنتاج مواد حسب طرق الزراعة العضوية بعيدا عن أماكن ملوثة بالأسمدة الكيميائية التي تُستخدم عادة للتصدي لأمراض أو آفات زراعية أخرى أو لتخصيب التربة. ومن هذه الشروط أيضا ابتعاد مزارع الزراعة العضوية عن مصادر تلويث أخرى غير الأسمدة الكيميائية. ولكن الدراسة التي كشف عنها المعهد الوطني الفرنسي للاستهلاك خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو-حزيران 2019 تخلص إلى أنه عُثر على مواد مُلوَّثة في عيِّنة من المنتجات الزراعية العضوية المستهلَكة في البلاد يبلغ عددها 130 منتجا.

ماهي الدروس التي يمكن الخروج بها بعد الاطلاع على نتائج هذه الدراسة؟ يجيب على السؤال أنطوان إِندجينس المهندس المختص في منتجات الصناعات الغذائية لدى المعهد الوطني الفرنسي للاستهلاك فيقول: "عثرنا على عناصرَ مُلوِّثة في عيِّنة من الحليب المتأتي من تربية الماشية حسَب مُواصفات الزراعة العضوية بنسب تتجاوز النسبَ التي توجد في حليب المواشي التي لا تُربَّى حسَب هذه الطريقة. الملاحظة ذاتُها تنطبق أيضا على عينة من بيض الدجاج تم إخضاع مُكوناتها إلى تحليل دقيق. فقد وجدنا أن البيض المتأتي من دجاج يُربى في أماكنَ مُغلقة وحسب طرق أخرى غيرِ طريقة الزراعة العضوية يحتوي على عناصرَ مُلوثة بنسب أقلَّ مما هي عليه الحالُ في بيض دجاج يُربَّى في الهواء الطلْق وحسَب مُواصفات الزراعة العضوية.

وصحيح أن نِسب التلوث التي وجدناها في الموادِّ العضوية التي حللنا مُكوناتِها أقلُّ من النسب المسموحِ بها. ومع ذلك فإن عملية المُواظبة على تناولها قد تتسبب في مشاكل صحية. وكلُّ ما أردنا أن نقوله هو أن استهلاكَ موادِ الزراعة العضوية لا يحمي في المطلق من المشاكل الصحية التي لديها علاقة بالغذاء والتي قد تصل أحيانا إلى الإصابة بأمراض سرطانية. هذا فعلا ما أردنا التأكيدَ عليه في هذه الدراسة".

معركة فرض الزراعة العضوية طويلة وشاقة

الدراسات المتعددة التي أُجريت حول نشأة الزراعة العضوية في بلدان الاتحاد الأوروبي أكدت أن المنتجين الزراعيين الذين يمارسون نمط الزراعة المكثفة كانوا في ستينات القرن الماضي قد بذلوا قصارى جهدهم لشن حرب شعواء على الذين كانوا ينبهون إلى خطر هذا النمط على البيئة وعلى الصحة البشرية.

وفي فرنسا على سبيل المثال، أطلقت في عام 1952 منظمة أهلية تسمى " الجمعية الفرنسية للأبحاث المتصلة بالتغذية العادية". وكان يترأسها طبيب يدعى "جاك فيفيان باس" ويتوقف في مقطع من حديث إذاعي بُث في السابع من شهر مارس –آذار عام 1960 عند معاناة الجمعية الطويلة في إقناع عدد من الأطراف التي تكن لديها مصلحة في تعزيز منظومة الزراعة العضوية: "كان يُنظر إلينا كما لو كنا أشخاصا خياليين بل مُصابين بالجنون. كان يُنظر إلينا كما لو كنا أطباءَ من الدرجة السُّفلى. ولكننا لاحظنا بعد مرر ثماني سنوات على تأسيس الجمعية أن ما كنا ندعو له أصبح يُؤخذ في الحسبان وغَدا أمرا بديهيا وضروريا... نلاحظ أيضا أن كلَّ الأطراف التي تُعنَى بموضوع التغذية أصبحت تتخذ مواقف إيجابية للدفاع عن سلامة الأغذية والتي تبدأ من سلامة أتربة الأراضي الزراعية. أصبحت هذه الأطراف تتعامل مع المسألة باعتبارها مسألة غيرَ شكلية".

والواقع أن الطبيب الراحل جاك فيفيان باس مؤسس الجمعية الفرنسية للأبحاث المتصلة بالتغذية العادية يبدو في نهاية مقطع الحديث الإذاعي الذي بُث لأول مرة في مارس –آذار عام 1960 وكـأنه مقتنع إلى حد ما بأنه تم تذليل العقوبات التي كانت تحول دون تعزيز منظومة الزراعة العضوية. ولكن السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة التي أُطلقت عام 1962 ظلت لعقود عديدة تُضيق الخناق على منتجي الزراعة العضوية وتنظر إليهم باعتبارهم لا يمثلون الوجه الحسن في السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة. وقدحددت المفوضية الأوروبية الزراعة المكثفة باعتبارها النمط الذي يجسد هذا الوجه أي الوجه الحسن في السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة. وظلت المفوضية الأوروبية ومن ورائها جماعات الضغط المدافعة عن مصالح الأطراف المستفيدة من نمط الزراعة المكثفة تردد طوال عقود أن نمط الزراعة المكثفة والذي تُستخدم فيه كميات كبيرة من الأسمدة الكيميائية هو الذي سمح لبلدان الأوروبي بضمان أمن الأوروبيين الغذائي وبخفض أسعار المنتجات الغذائية بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود وإلى وضع عدد من البلدان الأوروبية منها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا في قائمة البلدان الغربية الكبرى المصدرة للمنتجات الغذائية.

ولكن الدراسات العلمية أثبتت شيئا فشيئا أن مواصلة الاعتماد على نمط الزارعة المكثفة على حساب أنماط زراعية أخرى منها الزراعة العضوية تَوَجُّه فيه مخاطر كثيرة على البيئة وعلى الصحة من خلال المواد الملوثة التي تتسرب إلى المياه وأتربة الأراضي الزراعية مما جعل المفوضية تأخذ في الحسبان أهمية مساعدة ذوي الضياع الصغيرة الراغبين في استبدال نمط الزراعة المكثفة بأنماط أخرى من شأنها المساهمة في رفع مستوى المُنتجين الزراعيين الاجتماعي وفي الحفاظِ على البيئة والتنوع الحيوي وصحةِ المستهلكين.

"بزنس الزراعة العضوية"

بالرغم من اعتراف مؤسسات الاتحاد الأوروبي بأهمية توسيع المساحات المخصصة للزراعة العضوية نظرا لفوائدها الاقتصادية على المنتجين وعلى البيئة والمستهلكين الأوروبيين، فإن المستفيدين من نمط الزراعة المكثفة ولاسيما كبار المنتجين والموزعين وأصحاب شركات تصنيع الأغذية على نطاق واسع ومالكي المحلات التجارية الكبرى سعوا في السنوات الأخيرة إلى البحث عن الكسب والربح عبر الاستفادة من علامة الزراعة العضوية ولكن على نحو يسيء كثيرا إلى أسسها وأخلاقياتها. ومن هذه الأخلاقيات مثلا تجَمُّعُ صغار المزارعين في تعاونيات هدفها الأساسي مساعدة المنتجين على بيع منتجاتهم على عين المكان أو في الأوساط المحلية غير البعيدة عنهم لتحقيق عدة أغراض منها السماح للمستهلك بالحصول على منتجات طازجة بأسعار معقولة وتجنب نقلها عبر وسطاء إلى أماكن بعيدة لبيعها في المحلات التجارية الكبرى.

ولكن كثيرا من مستهلكي منتجات الزراعة لعضوية في المدن الأوربية الكبيرة يرون اليوم أن ارتفاع أسعار مثل هذه المنتجات يعزى أساسا إلى رغبة الوسطاء من الاستفادة من علامة الزراعة العضوية على حساب المنتجين والمستهلكين. هذا ما تؤكده لوسي التي تسكن في باريس وتقبل على شراء منتجات الزراعة العضوية عندما تقول: " كنت أود أن أشتريَ موادَّ الزراعة العضوية مباشرة لدى منتجيها لأني أقول إِنه كلما انخفض عددُ الوسطاء بين المنتج والمستهلك، كسَب المنتج والمستهلك. فالوسطاءُ يحصلون على مقابل مالي أكثر من اللزوم بينما لا يُعطى المنتجون إلا نسبا قليلة منه. أنا لا أتفق مع هذا المنطق".

وإذا كانت لوسي تشكو من نهم الوسطاء، فإن خبراء التغذية ينبهون أيضا إلى خطر آخر لا يعرفه كثير من المستهلكين هو خطر المواد التي تُضاف إلى منتجات الزراعة العضوية لتحويلها من منتجات زراعية طازجة إلى منتجات الصناعات الغذائية. فمصنعو هذه المنتجات يضيفون إليها مثلا كميات غير قليلة من مواد تساعد على حفظها لمدة طويلة أو على جعلها أغذية ذات نكهة خاصة. ومن هذه المواد المضافة السكر والملح. ويؤكد خبراء التغذية أن الغذاء ذا النكهة الجيدة لا يعني بالضرورة أنه غذاء سليم بالنسبة إلى الجسد. هذا أيضا ما يردده كل أسبوع مزارع فرنسي يسمى هنري فيليب لزوار ضيعته التي كانت من قبل ضيعة يمارس فيها نمط الزراعة المكثفة فأصبحت اليوم مثلا يُحتذى به في مجال ممارسة الزراعة العضوية. بل إن الجهود التي بذلها لتوعية المستهلكين بأهمية التسلح بالمعرفة في مجال الاستهلاك جعلت أعضاء مجلس إدارة الوكالة الفرنسية لتنمية الزراعة العضوية والترويجِ لها يختارونه رئيسا لهذه الوكالة لمدة عامين انطلاقا من شهر مايو –أيار عام 2019.

يُذَكِّر هنري فيليب ببعض قواعد الزراعة العضوية وبأهمية مساعدة النشء على التسلح برصيد ثقافي مهم بشأن أخلاقيات هذا النمط الزراعي فيقول: "الزراعة العضوية هي شكل من أشكال الزراعة التي تحترم تعاقبَ الفصول الطبيعية والتي تعتمد كثيرا على العواملِ الطبيعية ومنها أساسا الماء والهواء والشمس والتربة دون حاجة إلى استخدام حِيَل لرفع الإنتاج. والحيلتان اللتان نعرفهما معرفة جيدة هما المُبيدات والأسمدةُ الكيميائية المُخَصِّبة التي تُستخدم في نمطيْ الزراعة المكثفة والتقليدية. ولكنْ لا مكانَ لهذه الحِيل في الزراعة العضوية. وهي نَمط يقوم أيضا على تنوع الأنشطة للحصول على أسمدة عضوية تساعد في تخصيب أتربة الأراضي الزراعية. نحصل عليها انطلاقا من مُخلّفات حيوانات الماشية والدواجن. ونحن نسعى بشكل منتظَم إلى فتح مزارعِنا أمام المستهلكين لاطلاعِهم مثلا على طرق تغذيةِ الأبقار وحلْبها. نُطلعهم أيضا على طرق الحصول على الحليب واللحم والحبوب".

بقيت الإشارة إلى أن مساحة الأراضي التي تُمارس فيها الزراعة العضوية في بلدان الاتحاد الأوروبي حسب إحصائيات تم الحصول عليها عام 2017 لا تتجاوز 7 في المائة من مجمل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. وتأتي النمسا وإستونيا والسويد في مقدمة هذه البلدان من حيث المساحات المخصصة لنمط الزراعة العضوية بينما تحتل مالطة وإيرلندا ورومانيا المراتب الأخيرة.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن