تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مقابلة

علي بدر: الهجوم على "شارلي ايبدو" نقطة مفصلية في تاريخ الفكر الحر

سمعي
الكاتب العراقي علي بدر (فيسبوك)

أجرت علياء قديح لقاءً مع الكاتب العراقي علي بدر لرصد ردة فعله على الاعتداء الذي تعرَّضت له جريدة "شارلي إيبدو" الفرنسية في السابع من كانون الثاني/يناير الجاري وقال إن هذه الحادثة تُشكِّل نقطة مفصلية في تاريخ الفكر الحر إن كان على صعيد علاقتنا مع الغرب، أو من حيث ضرورة إجراء مراجعة لمسؤولية المجتمعات العربية فيما يشهد العالم اليوم من عنف وتطرُّف.

إعلان

عمل بربري ووحشي

"لم أتفاجأ بمقتل صحافيين طالما أننا سبق وعشنا في بلادنا الكثير من هذه الجرائم. مع ذلك، أعتبر أن هذا الهجوم يشكِّل لحظة حرجة في تاريخ الفكر الحر، لحظة دفاع عن الحريات، عن العدالة، وعن التضامن الإنساني. "شارلي إيبدو" كصحيفة قامت بفعل جبَّار طوال تاريخها على صعيد كسر المقدسات عبر السخرية. ليست المقدسات الدينية وحدها، وإنما أيضاً الاجتماعية والسياسية. هذا العمل البربري الذي قامت به هذه الجماعة، ليس إلا محاولة لإرجاع الفكر الحر إلى لحظة خضوع، لحظة استسلام، لحظة تركيع وتقهقر. ومن واجبنا نحن كمثقفين الدفاع عن مفاهيم الحداثة، ليس بوصفها حداثة غربية، وإنما حداثة إنسانية ملكنا جميعاً. لكن يبدو أن المعركة ستكون صعبة وطويلة ضد قوى السواد التي تريد إرجاع الفكر الحر إلى لحظة هيمنة واستسلام وخضوع. وهذه المعركة، هي معركتنا كلنا. الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" عمل وحشي وبربري، وبالتأكيد أنه أثار ردود فعل عنيفة جداً أجمعت على التنديد بما حدث، إن كان بين عامة الشعب أو على مستوى النخب الثقافية العربية. هذا الهجوم يمسنا أيضاً كعرب ومسلمين، كما تؤكِّد على ذلك ردود الفعل المباشرة التي فاقت كل تصور إن كان على مستوى الشارع العربي أو بين صفوف النخب الثقافية. الصحافة والكلمة أداة خطرة، ويجب أن نستخدم هذه الأداة تحديداً في معاركنا الفكرية والاجتماعية والسياسية".

جميعنا مسؤول

"بالتأكيد أن أصابع الاتهام في الشارع الغربي راحت توجَّه مباشرة إلى الجالية العربية والمسلمة، أو على الأقل إلى القوى السلفية الإسلامية. هناك خوف كبير وأظن أن ما حدث سيؤثر على المدى الطويل على فكرة التعايش في أوروبا بشكل عام، حتى أن فكرة التعايش قد تتعرَّض إلى انهيار كبير في جو متوتر أصلاً. وللأسف، أتت هذه العملية لتؤكد على الموقف السلبي من العرب والمسلمين، مما يستدعي وقفة جماعية من المثقفين وممن هم على صلة بالأوساط الثقافية، لفتح باب النقاش ولتوضيح الأمور بشكلها الصحيح. كما أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المثقف الذي يعيش في أوروبا، والذي غالباً ما يميل إلى تبرير كل شيء. من مشكلاتنا الأساسية أن أحداً لا يقوم بنقد ذاتي، وجميعنا مسؤول عن ترك مساحة فارغة يرتع فيها الفكر السلفي والأفكار العدائية والظلامية. غالباً ما نلوم الغرب على مآسينا، وقد يصل هذا اللوم في بعض الأحيان إلى درجة الابتذال. الحقيقة أننا ورثنا هذه النزعة من فكر غربي ينقد الغرب، ولكن بدلاً من أن نتبناه لنقد مجتمعاتنا بغية تطويرها، رحنا نمارس النقد نفسه تجاه الغرب رافعين عن أنفسنا أية مسؤولية تجاه أسباب العنف في مجتمعاتنا. أنا نفسي تعرَّضت لتهديدات بسبب أرائي هذه التي أطرحها في كتبي، تهديدات من سلفيين ومن سياسيين، بل وحتى من مثقفين، فما أن ننقد النظم الاجتماعية والثقافية في بلادنا، حتى يتهموننا مباشرة بالعمالة للغرب".

على المثقف نقد الوضع القائم بشكل متواصل

"المثقف العربي لديه نظرة طهرانية عن المجتمع، وكأن مجتمعاتنا هي مجتمعات طاهرة معصومة عن الخطأ، وإن حدث خطأ ما، سرعان ما نبحث عن أسباب خارجية له. هذا ما أدى إلى نشأة كراهية تجاه الغرب أنتجتها في البداية حركات اليسار التي أعطتها فيما بعد للقوى القومية، قبل أن تورثها هذه الأخيرة بدورها للقوى الإسلامية. كما أن في المجتمعات العربية لدينا نزعة للاعتقاد بأننا أفضل الناس، وأننا لسنا بحاجة لتطوير وتغيير. إلا أننا بتنا مجتمعات تنتج عنفاً، ويجب الاعتراف بذلك ومحاربته عبر فتح باب النقاش ونقد الذات على المستويين الداخلي والخارجي. إلاَّ أن المشكلة مركبة، فالصحافة والفكر والثقافة غير مستقلة في بلادنا، أي أن كلها ترتبط بالحكومات، والمثقفون ليس لديهم منبر آخر غير المنابر الرسمية التي تفرض خطاباً واحداً ولا تحتمل التعددية. وقد طرح الغرب فكرة عظيمة، وهي أن وظيفة السياسي هي تبرير الوضع القائم، بينما وظيفة المثقف هي نقد هذا الوضع بشكل متواصل. وهذا تماماً ما تفعله صحيفة "شارلي إيبدو"، الشيء الذي يثير الخوف في العالم العربي، لأن السلطات لدينا، إن كانت سلطات سياسية أو اجتماعية أو دينية، تطلب أن نتستر عليها. ولكن ما حدث وللمرة الأولى في عالمنا العربي، أن هذا الهجوم حرر الكلمة ودفع الأغلبية العربية إلى الدعوة إلى مراجعة أنفسنا وتاريخنا، والخوض في نقد ذاتي قد يسمح لنا بالخروج أخيراً من هذه الدوامة. مع احترامي لدم الضحايا، ولكن دائما بعد الضحية، هناك مراجعة. وأتمنى أن تكون هذه بداية حقيقية للفكر الحر في بلادنا".

سيرة ذاتية

علي بدر كاتب وروائي عراقي ولد في بغداد، وعاش فيها حتى انتقاله إلى أوروبا حيث يعيش اليوم في بروكسيل. من أهم أعماله الروائية: "بابا سارتر"، "شتاء العائلة"، "الوليمة العارية"، "مصابيح أورشاليم"، "حارس التبغ"، ومؤخراً "أساتذة الوهم". منذ مطلع الألفية الثانية، وعلي بدر يستمد أفكاره من خليط نظري بين تياري ما بعد الحداثة وتيار ما بعد الاستعمار، كما يقوم بإعادة إحياء الأصوات المقموعة والمهمشة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في بغداد والعراق والعالم العربي عموماً. تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، وحصل على عدد كبير من الجوائز في العالم العربي. كما له زاوية أسبوعية في جريدة Le Monde الفرنسية، وكتابات في مجال الصحافة والفلسفة والشعر والمسرح، إضافة إلى مشاركات في مجال السينما الوثائقية، منها "بغداد تحت الرماد" و"تاريخ الأدب العراقي".

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن