تخطي إلى المحتوى الرئيسي
قرأنا لكم

سوسيولوجيا حركة "السترات الصفراء"

سمعي
-فيسبوك

نخصص حلقة هذا الأسبوع لدراسة صدرت مؤخرا للباحث الفرنسي كريستوف غيلي بعنوان "نو سوسايتي" No society عن دار فلاماريون للنشر.

إعلان

هذه الدراسة التحليلية لراهن المجتمع الفرنسي والغربي بشكل عام لقيت رواجا كبيرا لكونها تجيب على عدد من الأسئلة التي طرحها نجاح حركة السترات الصفراء التي بدأت احتجاجا على رفع أسعار الوقود وتحولت إلى أزمة سياسية غير مسبوقة في فرنسا بعد أن رفع المحتجون، وغالبيتهم من سكان الأرياف وأطراف مدن الداخل سقف مطالبهم حد المطالبة باستقالة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون المتهم بانحيازه للأغنياء وتشديده الخناق اقتصاديا على الطبقات المتوسطة والفقيرة.  

أطروحة هذه الدراسة، التي تستلهم عنوانها "نو سوسايتي" من جملة شهيرة لرئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، هي أن الطبقات المتوسطة بدأت تندثر ما جعل المجتمع يتكون من قطبين بلا وسيط، قلة من الأغنياء وغالبية عظمى من الفقراء. ويميز الباحث بين الرابحين من ظاهرة العولمة وهي الطبقة الغنية التي تتجمع بشكل أساسي في كبريات المدن والخاسرين من الطبقات الفقيرة التي تتكدس في ضواحي المدن والأطراف والمناطق الريفية. لنستمع إلى كريستوف غيلي متحدثا عن أطروحة كتابه وتفسيره للمخاض الاجتماعي الذي أدى إلى ظهور حركة السترات الصفراء وانتشارها السريع:

"إن ما يحدث الآن من احتجاجات هو نتيجة منطقية لما يقع منذ ثلاثين عاما والموت البطيء للطبقات المتوسطة الذي ساهم في تفقير المجتمع واحداث شرخ في اللحمة القومية والهوية وحتى مبدأ الديمقراطية الذي يرتكز بالأساس على تماسك الطبقات المتوسطة ودورها في حفظ التوازن المجتمعي.

عندما أقول  No society كما جاء في عنوان الكتاب  فأنا أعني بذلك القطيعة بين الأعلى والأسفل. بين النخبة السياسية وقطاعات كبيرة من الشعب. لدينا نخبة توجه خطابها إلى النخبة أي إلى نفسها في واقع الأمر وتتعامل مع الشعب وكأنه كيان افتراضي مع جهل تام بمشاكله وتطلعاته. واليوم الخيار السياسي الوحيد للخروج من الأزمة هو تغيير البوصلة والذهاب في اتجاه الشعب وتفهم هذا الشعب والعمل من أجل انصافه. المجتمع هو الشعب والشعب هو الناس العاديون وغالبيتهم فقراء وأناس بدخل محدود وأفق اجتماعي محدود.

تبدو النخبة الفرنسية التي تعيش في باريس وفي كبريات المدن وكأنها تتجاهل هؤلاء الناس الذين يشتغلون ويكدون ورغم ذلك لا يستطيعون تلبية رغباتهم ورغبات ابناءهم ويعانون ماديا في نهاية الشهر ومنهم الموظفون في القطاع العام والتجار الصغار والحرفيون والفلاحون والمتقاعدون. هؤلاء هم الذين خلقوا حركة السترات الصفراء وفجروا غضبهم وعنفهم ضد الدولة بعد أن تعبوا من التذمر الصامت ومن عجز الأحزاب والنقابات على تغيير أحوالهم.     

لدينا أزمة كبيرة فيما يخص العرض السياسي للأحزاب يمينا ويسارا. غالبية الأحزاب دعامتها الأساسية هي الطبقة المتوسطة وخطابها الإيديولوجي موجه أساسا لهذه الطبقة. فالأحزاب اليمينية تركز على الأعداد الهائلة من المتقاعدين وأحزاب اليسار تتوجه إلى موظفي القطاع العام. والمفارقة الآن هو أن هذا الخطاب يبدو وكأنه موجه إلى الأشباح لأن الطبقة المتوسطة في فرنسا تحتضر وهي في طور الاندثار بعد أن تم تفقيرها وإضعافها وانهاكها بالضرائب وبالتغيرات الاقتصادية. الطبقة المتوسطة لديها طلب بسيط هو الاندماج الاقتصادي والمحافظة على رأسمالها الاجتماعي والثقافي والرمزي. يجب على هذا الأحزاب أن تعيد النظر في خطابها بشكل عاجل يسارا ويمينا."

كريستوف غيلي باحث ذو تكوين في علم الجغرافيا ورغم الرواج الذي تعرفه دراساته فالباحثون الجامعيون يتحفظون عليه لكونه ليس خريجا من المعاهد الجامعية ولم يحصل على الدكتوراه. ومنهم من يعتبر أن تحليلاته موجهة للاستهلاك الإعلامي ولا تتوفر على خلفية أكاديمية. كما أن بعض وسائل الاعلام خاصة تلك المقربة من اليسار تتهمه بتقديم خلفية نظرية لليمين المتطرف بأطروحته حول مهمشي الأطراف الفرنسيين الذين يشكلون القاعدة الانتخابية لحزب الجبهة الوطنية المتطرف. ومن بين كتبه الأخرى "خسوف فرنسا المتعالية" و"فرنسا الهامشية" و"شروخ فرنسية" وترجمت إلى غالبية اللغات الأوربية... وكل كتاب وأنتم بخير.

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.