ريبورتاج

خمسون عاما على استقلال الجزائر: المجاهدون الذين صنعوا استقلال الجزائر

سمعي

تحتفل الجزائر بمرور نصف قرن على استقلالها، فما هو حال و ما هي نظرة المجاهدين الذين شاركوا في صنع تاريخ هذا البلد؟.

إعلان

 يوميات رامتان عوايطية موفدة فرانس24 ومونت كارلو الدولية إلى الجزائر
 

ككل عام تحتفل الجزائر بعيد استقلالها في الخامس من تموز/ يوليو، ولكن احتفالات هذا العام تكتسي طابعا خاصا بعد نصف قرن من استقلال سياسي أعقب أكثر من سبع سنوات من الكفاح المسلح وقرن وثلاثين سنة من الاستعمار الاستيطاني.
 
وردية وبوعلي، وجهان من وجوه هذه الثورة، جزائرية وجزائري التحقوا بصفوف الثوار في ريعان الشباب وعاشا على غرار عشرات الآلاف من المجاهدين الجوع والقهر والفقر والتشريد وفرحة الاستقلال بعد سنوات من العذاب.
 
التقيت وردية في ساحة أودان في قلب الجزائر العاصمة. كانت تنتظر الباص في اتجاه بيتها الواقع في منطقة مفتاح. لست أدري لماذا توجهت إليها بالسؤال عن حالها، ربما لأن نظراتها نحوي شجعتني على التقدم لتحيتها ومعرفة المزيد عن هذه العجوز التي خط الزمن خيوطا على جبينها.
 
سألتها إن كانت شهدت حقبة الثورة، وكأنني بسؤالي هذا بعثت شحنة كهربائية في جسم هذه العجوز الهزيلة. قالت لي بكل فخر "بكل تأكيد، أنا مع المجاهدين منذ الصغر، التحقت بالثوار عندما كنت بنت السادسة عشرة، تركت ابنتي الكبرى رضيعة وهاهي اليوم امرأة متزوجة… أنظري إلى ساقي وآثار التعذيب بادية عليها، انظري إلى كتفي" سألتها عن إحساسها اليوم والجزائر تقبل على عيدها الخمسين؟ فأجابتني بغضب شديد قائلة أنها لا تحس بأي شيء، كل ما يعتريها هو الشعور بالرغبة في البكاء فهي تفتقد لكل شيء، وأبرز ما تحتاجه هو عيش كريم في سكن مناسب. قالت إنها لم تتحصل على حقوقها المالية لأنها رفضت أن تسجل اسمها في قائمة المنتفعين بالثورة. فهناك وفق ما تقوله العجوز وردية فرق بين المجاهدين الذين ضحوا في سبيل الله والوطن وبين عشرات الآلاف من المجاهدين المزيفين الذين ظهروا على الساحة عام اثنين وستين واستولوا على جميع الامتيازات والحقوق. وردية تعيش اليوم في منزل صغير يؤجره لها أولادها في ضواحي العاصمة وتعمل وهي بنت السادسة والسبعين، كعاملة تنظيف في وزارة المالية.
 
"هل ما زلت تذكرين اليوم الذي استقلت فيه الجزائر رسميا عام 1962؟"  بادرتها ..فامتلأت عينيها الهزيلتان دموعا وشرعت في الإنشاد "إخواني لا تنسوا شهدائكم ..من ضحوا في حياة البلاد .. البلاد، بالنفوس والدماء ..رووا ترابكم ..تركوا الصحبة والنساء والأولاد.. الأولاد، هذه قضية لكم يا أصحاب البلاد ..البلاد" وبحركة سريعة وشبه انفعالية، تركتني الحاجة وردية لتركض وراء الباص المغادر لساحة أول مايو وكأنها استفاقت من فقاعة ذكريات
 
التقيت الحاج بوعلي عبد القادر الملقب بعمي بوعلي، في منطقة الشراقة بأعالي الجزائر العاصمة، اتصلت به وأبديت رغبة في الحوار معه لانجاز تحقيق حول خمسينية الاستقلال كما يسمونها هنا. استقبلني في مكتب مجاهد آخر يدعى محمد شرف ولد حسين الذي أهداني كتابين يوثقان للثورة الجزائرية وأبطالها ومعاركها.
 
وعلى عكس ولد الحسين الذي كان قليل الكلام، استفاض عمي بوعلي في سرد تجربته الثورية. هو يتحدر من عائلة فقيرة في قرية على أطراف مدينة "الشلف" وقد أجبر على ترك مقاعد الدراسة باكرا ليعمل في كل المجالات لدى الكولون والتجار اليهود والاقطاعيين الاسبانيين وكل همه حمل المسؤولية بعد أن أجبر والده على التغيب للقتال في صفوف الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية.
 
سألته عن سر وعيه القومي، وكيف تبلور وهو بالكاد يحسن القراءة والكتابة. فقال إنه امتلك الوعي بانتمائه العربي والإسلامي بفضل "الحكواتيين" و"المداحين" الذين كانوا يرتادون الأسواق وينشدون حكايات مضت عن السيرة النبوية وعن حروب السيد علي بن أبي طالب مع الكفار وكيف انتفض المقراني والأمير عبد القادر في وجه الفرنسيين الذين قدموا عبر البحر إلى الجزائر من عقود طويلة … كما كان المسجد مكانا آخر صقل معرفة الحاج بوعلي في مقتل العمر حيث كان الأئمة والأساتذة يتحدثون بعد صلاة المغرب والعشاء عن الظلم والقهر الذي تمارسه فرنسا في حق الجزائريين وهم أصحاب الأرض والأحق بها.
 
من بين الشخصيات التي ساهمت في تحول الحاج بوعلي إلى الكفاح المسلح، صديق كان على إطلاع بالسياسة وكان يرى أن الحل هو في الكفاح المسلح لأن كل محاولات كسب الحقوق التي قادها حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج، باءت بالفشل، "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
 
سألت الحاج بوعلي عن شعوره عند سماع خبر استقلال الجزائر فقال لي أنه وأترابه لم يستوعب الخبر وطغت عليه الفرحة والشكوك فلم يكن يدري ما هو المصير المنتظر بعد سنوات من التشرد في الجبال حيث الظروف الصعبة "كنا ننام في المقابر والجبال، ونسير لساعتين كاملتين علنا نحصل قليلا من الماء، وكنت حفاة عراة جائعين ولكننا كنا مؤمنين بقضيتنا رغم سخرية الكثيرين الذين عيرونا بأننا حثالة تريد أن تخرج فرنسا ومن ورائها حلف الأطلسي من الجزائر" اعترف الحاج بوعلي بأن غالبية الشعب الجزائري لم يؤيد الثورة منذ البداية وإنما فرضت الثورة نفسها على هذا الشعب عندما انتقلت إلى الجبال وبفضل حزم الجيش الشعبي الذي لم يترك للجزائريين فرصة للحياد "إما مع الثوار، أو مع "القور" ـ بمعنى الفرنسيين ـ
 
"كيف ترى الجزائر بعد خمسين سنة من الاستقلال"؟ سألت، فأطرق الحاج بوعلي متفاديا انتقاد السلطة بشكل مفتوح ولكنه أقر "بأخطاء كثيرة ارتكبت منذ عام 1962 وأبرزها الصراع بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية وبين مجندي الخارج والحدود ومجندي الداخل الجزائري" كان إذا صراعا على السلطة ولكنها كانت أيضا عشرية سوداء طبعت تاريخ الجزائر الحديث، وذاكرة الحاج بوعلي الحية.
 
 قال لي إنه خلال هذه الحقبة استنفر كباقي الأسرة الثورية في وجه الإرهاب والإسلام المتطرف وقد حمل السلاح من جديد دفاعا عن الجزائر وهو شيخ في الستين بعد أن حمل السلاح لتحرير الجزائر وهو في مقتل العشرين.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم