صحتكم تهمنا

متاهات التعاطف مع الآخر من وجهة نظر علم النفس

سمعي
غلاف كتاب حول التعاطف للطبيب النفسي Tisseron

هناك فروقات كبيرة ما بين حبّ الغير Altruism ومعرفة الغير أو القدرة الفطرية على التعاطف مع شخصية الآخرين ومساعدتهم Empathy.

إعلان

أخذ عزه ومجده مبدأ التعاطف مع الآخرين بمدّ يدّ العون لهم في السنوات القليلة الماضية في مجال علم النفس، لدرجة أنّ استخدام مصطلح empathy لم يفارق لسان المتنوّرين.

فكان مصير هذه الكلمة بالتداول اللفظي الكثيف كمصير كلمات درج استخدامها بشكل كبير في السنوات الماضية في علم النفس على غرار " الصحوة النفسية ما بعد الصدمة Résilience" و"المضايقة الأخلاقية harcèlement moral". فبعد موضة استخدام كلمة Empathy خبط عشواء، أُغرق الكثيرون منّا بالتعريف الغامض لمدلولاتها ممّا مَنَعَهُم من سوء فهم الحالات التي تصحّ فيها.

يعتقد البعض أنّ المقدرة على تفهّم شخصية الآخرين بالانفتاح على مشاكلهم، ومن ثمّ مساعدتهم، تقتضي المرور بمهمّة بالغة الإحساس هي وضع نفسنا مكان الشخص الآخر put yourself in someone else's shoes. وإنّما هل هذا هو المطلوب؟ طبعا لا، لأنّه إذا كنتُ أبدأ في البكاء وأتعذّب إلى جنب الضحيّة، لن أتمكّن من مساعدتها.

التعاطف الوجداني الوحيد Emotional empathy هو عائق كبير للتواصل الإنساني السليم. كما أنّ القدرة الفطرية على تفهُّم شخصية الآخرين قد تُصبح عند البعض أداةً متطرّفة للتلاعب النفسي بمصير إنسان كما يعتبر الطبيب النفسي الفرنسي Serge Tisseron في كتاب صدر له من فترة قصيرة جاء بعنوان «Empathie et manipulations, les pièges de la compassion» عن دار نشر Albin Michel.

يسرد الطبيب النفسي Tisseron مثالاً عن المرأة التي تعرّضت للاغتصاب وتأتي إلى عيادته لبلسمة جراحها النفسية. فيقول إنّه من غير مقدوره أن يضع نفسه مكان المرأة المغتصبة إن كان التعاطف الوجداني مع مشاكل الناس يتطلّب منّا هذا الأمر الصعب فحسب. ولذلك يتطلّب الانفتاح الفعلي على مشاكل الناس وتفهّم عذاباتهم، أي التعاطف المعرفي empathy cognitive، تمثيلا عقليا متّصلا بأبعاد كثيرة تتغذّى من قدرة المخيّلة ومكاسب المعرفة والخبرة الشخصية والمَعْيوش، لتقديم التوجيه برفعة ونزاهة بعيدتين عن المواربة.

يُعرب الطبيب النفسي Tisseron في كتابه المذكور أعلاه عن غضبه الشديد إزاء من يستغلّون القدرة على فهم الحياة الداخلية للآخر من أجل الوصول إلى غايات مُلتوية كتلك التي يقوم بها الداعون لانتساب الشباب إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابي.

فالمسوّقون للفكر الجهادي حسب رأي Tisseron يتمتّعون بمقدرة التعاطف المعرفي مع الآخر cognitive empathy ولذلك ينجحون في الاستدلال إلى ضعفاء النفوس من الشباب الذين يعيشون في تيه نفسي ويتمكّنون من إقناعهم بالانخراط في مشروعهم الكفاحي. فعن طريق التعاطف المعرفي مع الشباب اليائس، استطاع الداعشيون فرض أدوات التلاعب النفسي Psychological manipulation التي تبغي تغيير نظرة أو سلوك لصالح الترويج لإيديولوجية وحشيّة.

يثير Tisseron في كتابه أيضا قضية عقدة الذنب بسبب صراعات التعاطف التي تنجم عن المعاملة غير المتساوية ما بين الأفراد الحاصلين على خدمات المساعدةLes conflits de l’empathie.

ويعطي تيسورون مثالا حسّيا عن هذه الصراعات، التوزيع غير العادل في الاهتمام التعليمي بتلامذة الصفّ في المدرسة. فما بين الطلاب الشُطّار والطلاّب الضعفاء تتفاوت درجة انتباه الأساتذة. لنفترض أنّ الصفّ مؤلّف من 30 طالبا وكان 50% منهم في ورطة وصعوبات تعليمية وكان الخمسون بالمائة الباقون من الطلاّب المجتهدين، سيميل حكما المعلّم المتعاطف-المعطاء إلى وضع طاقته الكاملة بتصرّف التلاميذ الضعفاء لينتشلهم إلى الأعلى تاركا القسم الباقي من التلاميذ بلا اهتمام طالما أنهم ينجحون من دونه. في هذا الوضع وما ينجم عنه من تفاوت كبير في المعاملة، علينا أن نسأل أنفسنا: من يستفيد حقاً من تعاطفنا؟

إنّ التعاطف السليم الذي لا يولّد تأنيب ضمير ولا صراعات تعاطف هو التعاطف المُنصف الذي يحترم مبدأ العطاء بمساواة ما بين الجميع بغضّ النظر عن المستوى الطبقي أو المستوى العلمي. كما أنّ العطاء الفعلي هو العطاء الذي يُكرم أوّلا النفس قبل إكرام الآخرين عملا بالمثل الفرنسي القائل la charité bien ordonnée commence par soi-même.

جميعا نتمتّع وفق Tisseron بالقدرة الطبيعية على التعاطف، ولكن هذه القدرة البدائية تحتاج إلى التشجيع من قبل المحيط الاجتماعي والثقافي والعائلي كي تصبح كاملة وتتّسع لخارج دائرة الأقارب.

ليس المطلوب أن يكون التشجيع على الفكر التعاطفي بنفس الطريقة لدى جميع الأعمار. فمن الولادة إلى عمر 3 سنوات، يحتاج الأطفال للتفاعل مع البشر ولتحديد مشاعر الآخرين ولربط الوجوه نظرا لمستوى التقاسم الودّي. ما بين عمر 4 و8 سنوات، فإنّ الطفل يحتاج إلى أن يكون برفقة الوالدين وسواهم من المعارف كي يفهم أنّ الآخرين لديهم طريقة مختلفة بالتفكير. وما بين عمر 8 و12 عاما، يجب أن يكون الطفل قد وصل تربويا إلى مرحلة الاعتراف بتعدّد وجهات النظر واقتنع بضرورتها. هذا الأمر سيفتح الطريق أمامه لاحترام مبدأ المعاملة بالمثل Réciprocité. ولكن العديد من الأطفال يتوقّفون في منتصف المحطات التربوية ولا يصلون إلى نهاية الطريق المؤدّي إلى التعاطف الناضج والكامل.

بحلول نهاية صفوف الروضة، من الضروري، حسب رأي Tisseron، تعليم الأطفال تقنيات التعرّف على مشاعر الآخرين، ولكن تعليمهم أيضا حسن النظر إلى مشاعرهم من خلال التعاطف الذاتي Auto-empathie. فهذا الأمر ضروري منعا من إساءة فهم الطفل لتعابير الوجوه لدى رفاقه وتجنّبا لأن يتعرّض يوما للعنف وللابتزاز في المدرسة من دون أن يفهم فظاعة الأمر الذي يُرتكب بحقّه.

إنّ التعاطف الذاتي بفهم مشاعرنا الباطنية، ينمّي احترام الذات لدينا. ويرى Tisseron أنّ التعاطف الكامل مع الذات أوّلا ومع الآخرين ثانيا يستثير مناطق عدّة في الدماغ. ولذا فإنّ مفهوم التعاطف الكامل هو أكثر تعقيدا ممّا تقترحه ثقافة حبّ الغير التي تُصوّرها وسائل الإعلام بثقافة "رعاية الدببة Bisounours" أي حبّ الآخرين بدون مقابل وباتّجاه واحد.

ضيف "صحتكم تهمنا" طبيب النفس الفرنسي Serge Tisseron.

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم