تخطي إلى المحتوى الرئيسي
صحتكم تهمنا

لقاح الحصبة الثلاثي لا يسبِّب طيف التوحد عند الأطفال

سمعي
اليوم العالمي لمرض التوحد ( .autisme-france.fr)

الثاني من نيسان/ أبريل هو فرصة سنوية للتوعية بمرض التوحد من خلال الاحتفال باليوم العالمي المخصّص له. ننتهز هذه الفرصة لسرد خَبَر عارٍ عن الصحة والذي يروّج بأن اللقاح الثلاثي ROR أو MMR الذي يحمي الأطفال من فيروسات الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف، يسبِّب حصول طيف التوحّد.

إعلان

الوهم الذي تضخّم إلى درجة أن المناهضين لسياسة اللقاحات عموما استغنموه لقضيتهم، ونتج عنه مقاطعة كبيرة للقاح الثلاثيROR  أو MMR. وهكذا عادت بقوّة موجة وباء الحصبة في بلدان كانت اختفت منها كلّيا.

بدأ الوهم الكاذب عام 1998 بأن طيف التوحّد يصيب الأطفال جرّاء حصولهم على اللقاح الثلاثي ضد الحصبة والنكاف، حينما نشرت آنذاك مجلّة طبّية رصينة هي The Lancet مقالة قصيرة كتبها الطبيب البريطاني Andrew Wakefield وطرح فيها نظرية مفادها أن طيف التوحد يتأتّى من لقاح ROR  أو MMR.

ومنذ ذلك الحين في عام 1998 ظهرت نظرية المؤامرة التي يعتقد البعض أنّ شركات الأدوية تمارسها ضد مصلحة الشعوب. وبعدما قرأ الفضوليون والعاملون في وسائل الاعلام مقالة Andrew Wakefield ذاعوا الخبر الذي أحدث ضجة قوية، وبعد سنوات ثبت أنّه خبر مغرض أشبه بالأخبار الكاذبة Fake news.

لكن اللقاح الثلاثي ضد الحصبة الذي كان اختياريا في بعض البلدان، وتعطى الجرعة الأولى منه في عمر السنة بطلب من الأهل على أن تعطى الجرعة الثانية منه في عمر السنة والنصف، زرع الخوف في نفوس الأهالي ليندفع البعض منهم إلى مقاطعته بحجّة أنّه مسبّب لطيف التوحّد.

والجدل الذي طال مدته ما يقارب العشرين عاما والذي لا يمتّ للحقيقة بصلة، دفع ثمنه أطبّاء الأطفال في عياداتهم. والمفارقة أن الكثير من الأمهات والآباء، حتى أولئك العاملين في مهن مرتبطة بالعناية الصحية، أصيبوا بالذعر فامتنعوا عن إعطاء اللقاح لأطفالهم.

وحيال البلبلة الإعلامية التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بفضل فيلم vaxxed الذي أنتجهAndrew Wakefield دفاعا عن فرضيته، اضطرّت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال تشكيل لجنة لدراسة الأمر. وكان الاستنتاج النهائي أنه لا توجد علاقة بين لقاح الحصبة والتوحّد.

ولم تكن اللجنة المذكورة الوحيدة التي بذلت الجهود في هذا المجال، إنّما أجريت دراسات عدّة ناهزت العشرين في بلدان مختلفة ومراكز طبية متعددة وكان الاستنتاج النهائي يصبّ في نفس الخانة التي تنفي نفيا قاطعا وجود علاقة للقاح ROR  أو MMR - بل وأي لقاح آخر- بمرض التوحّد لا من قريب ولا من بعيد.  

بعد التحرّي الطويل والتدقيق العلمي، تبيّن أن الطبيب البريطاني Andrew Wakefield سعى من خلال فرضيته إلى تزييف العلم بحثا عن الشهرة، هو الذي كان يبغي الترويج  لبراءة اختراع أعدّها لصالح أن يرى النور يوما ما لقاحه الأحادي ضد الحصبة الذي لو تمكّن من تسويقه لأطاح باللقاح الثلاثي.

فعام 2010 أي بعد 12 سنة على نشر Wakefield فرضيته في مجلّة The lancet، أصدر المجلس الطبي العام في بريطانيا تقريرا يصف فيه الدراسة التي كتبها الدكتور Wakefield بأنها "مغرضة" و"مزيّفة" وبأن طريقة اختيار المرضى وإتمام الدراسة فيها الكثير من المغالطات المتعمّدة.

على خط مواز، استجاب الدكتور Richard Horton رئيس تحرير مجلّة The Lancet بسحب المقال المذكور من النشر، وأصدر تقريرا يقول فيه إنه بعد مراجعة تقرير المجلس الطبي البريطاني وجد أن الطريقة التي أجري بها البحث كانت من أسوأ ما يمكن أن يحصل في أي بحث طبي، وبأن ما حصل أثناء الدراسة هو مرعب.

وقد أثنت مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض في أميركا CDC على العمل الذي قامت به مجلّة The Lancet بسحب المقال، واستغلّت المناسبة لتذكير الأهل بأهمية اللقاحات لصحة أطفالهم.

أمّا الطبيب البريطاني Andrew Wakefield فلقي عقابه بعدما قرّرت نقابة الأطباء البريطانيين أن تشطب اسمه من سجّلها.

وبالرغم من حذف مجلة The Lancet  مقال Andrew Wakefield من أرشيفها بعد 12 سنة على إبقائه في التداول، إلا أن هذا الخطأ التاريخي أثّر كثيرا على مصداقيتها وبقيت تداعيات الخطأ المُرتكب من قبلها متغلغلا في نفوس الكثيرين من الشعوب التي بقيت مقتنعة ومصرّة بأنّ اللقاح الثلاثي ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية لقاحٌ مشؤوم يورّط الأطفال بالتوحد.

نستغلّ اليوم العالمي للتوحد لنقول إن الأطفال المصابين بطيف التوحد هم أطفال يتمتعون بذكاء حاد، أمّا أسباب انطوائيتهم فهي مشكلة طبّية لم يتوصل بعد العلماء إلى تفكيك جميع ألغازها، إذ أنّ أسباب التوحد هي مجموعة واسعة من المسبّبات الجينية والدوائية والعصبية والبيئية.   

وهكذا أصبح بإمكاننا الجزم بأن لا علاقة للقاح  MMR أو  ROR برفع احتمال إصابة الطفل بالتوحد. لا بل تحصين الطفل بهذا اللقاح على عمر السنة يحميه لاحقا من خطر الإصابة بثلاثة أمراض معقّدة أو حتى قاتلة، منها ما له تأثير كبير على الدماغ كما في الحصبة ROUGEOLE ومنها ما يُتلِف السمع لدى المواليد الجدد كما في الحصبة الألمانية، ومنها ما له تبعات إعاقة تطال أعضاء متعددة في الجسم كما في النكاف.

في فرنسا، لم يعد لقاح الحصبة اختياريا منذ نهاية العام الفائت، إنمّا تحوّل إلى لقاح إجباري تُلزم به وزارة الصحة كما تلزم بأحد عشر لقاحا آخرا.

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن