تخطي إلى المحتوى الرئيسي
صحتكم تهمنا

"حبّة النسيان" لتذليل أوجاع الصدمات والفراق : Propranolol

سمعي
الصورة (ويكيبيديا: Amin)

أوجاع القلب بعد فراق الحبيب أو بعد صدمة اعتداء حربي أو بعد مقتل أحد الأعزّاء سنستطيع في السنوات المقبلة أن نبلسمها بعصا سحرية عن طريق "حبّة النسيان". هل سمعتم من قبل بدواء Propranolol؟ فإن لم تسمعوا، افتحوا أذنيكم جيّدا.

إعلان

هذا الدواء الذي تزيّن بتسمية "حبّة النسيان" ليس بمزحة لا تحتمل الاهتمام، لأن التجارب البشرية على دواء Propranolol انطلقت في فرنسا ما بين عامي 2016 و2018.  وخضع لتلك التجارب 360 ناجيا من الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا في 13 نوفمبر 2015 حينما تمّ تصفية أبرياء في قاعة الBataclan للحفلات وتعرّض رواد المقاهي لرصاص إرهابيي داعش.

 لطالما انشغل الباحثون في علم الأدوية بإيجاد أدوية تقي وتحارب الأعراض المرتبطة باضطراب الحزن والغمّ التالي للصدمة النفسية Post-traumatic stress disorder. تأتي التجارب الناجحة لحدّ الآن على دواء Propranolol في فرنسا وفي كندا لتُطمئننا أنّ الكَرْبَ التالي إمّا للطلاق وإما بعد المشاركة بمعركة قتالية وإمّا بعد هجر الحبيب وإمّا بعد موت عزيز وإمّا بعد حادثة مُروِّعة سنتمكّن في المستقبل من القضاء عليه كي لا نعود نجترّ بحسرة لعنة المصيبة أو الخسارة أو العتاب لسنوات وسنوات.

  بالأساس يُصنّف دواء Propranolol واحدا من بين حاصرات مستقبلات البيتا beta-blockers وهو يُستخدم في العادة لمعالجة الضغط الشرياني المرتفع والشقيقة migraine ولمعالجة بعض الاضطرابات المرتبطة بدقات وخفقان القلب. ولكن التجارب الجارية حاليا على دواء Propranolol هي تصبّ في صالح توسيع دائرة استخدامه لتشمل معالجة اضطراب الحزن والغمّ التالي للصدمة النفسية أيا كان سببها.

التجارب لاستخدام Propranolol في مضمار معالجة أوجاع القلب بعد الصدمات والفراق تسير على قدم وساق في فرنسا بموازاة التجارب الأخرى الجارية في كندا. يشرف على هذه التجارب الإيجابية في شمال أميركا طبيب النفس والباحث Alain Brunet من جامعة Mcgill  في مونتريال، بينما يُشرف على هذه التجارب في فرنسا بالشراكة مع كندا طبيب النفس البروفسور Brunot Millet العامل في مستشفى  Pitié-Salpêtrière في باريس.

دخل في تطبيق بروتوكول التجارب على البشر خمسة عشر مركزا طبّيا فرنسيا وانضمّت إلى تجارب استخدام حبوب Propranolol كحبوب لتخفيف الشحنة العاطفية المرتبطة بذكرى مؤلمة ثماني مستشفيات فرنسية.

يُشترط بالإنسان الراغب بالحصول على حبّة النسيان أن يحترم بروتوكولا دقيقا ينصّ على أن يكون طالب العلاج مُحاطا ومتابعا من قبل معالج نفسي أو من قبل طبيب نفسي. بعد ذلك يأخذ طالب العلاج حبّة من دواء Propranolol.

ويُطلب منه تلقائيا أن يكتب بخطّه على ورق أبيض تفاصيل الذكرى المؤلمة والمشاعر المتأجّجة بسببها.  بعد ساعة من بلع المريض حبّة Propranolol ومن الانتهاء من كتابة نصّ الذكرى المؤلمة، يُطلب منه مرّة ثانية أن يقرأ بصوت عال ما كتب على الورق.

يبدو أن هذه الطريقة تذلّل الأوجاع النفسية المتعلّقة بالصدمات والفراق وتخفف من حدّة شرارتها. لماذا؟ لأنّ دواء Propranolol يحارب هرمونات الإرهاق النفسي التي تقوم بتركيز حمّة الذكريات المؤلمة في الذاكرة.

فحينما يأخذ الانسان المتألّم نفسيا دواء Propranolol تصبح الشحنة العاطفية للذكرى الأليمة في الدماغ ضعيفة وأقلّ تأججا ممّا كانت عليه ما قبل العلاج ما يُسمّى بتقنية « le blocage de la reconsolidation » du souvenir traumatique.

عندما نأتي على ذكر دواء Propranolol والوعود التي يعد بها، لا يسعنا إلاّ أن نتذكّر فيلما من أفلام الخيال العلمي هو Equilibrium الذي قام بإخراجه المخرج Kurt Wimmer   عام 2002. يُصور هذا الفيلم مجتمعا يتوق إلى أمر عظيم يقضي بمحو عذابات النفس من خلال تناول حبّة يومية من Prozium.

هذا العقار الأفيوني، يطرد الحزن منّا ويخدّر كل أشكال الإكتئاب الذهاني ماحيا الذكريات المسبّبة له. على هذا المنظور في الخيال العلمي يصبح سكّان المجتمع الافتراضي سواسية وينعمون بهناء دائم طالما هناك دواء شافي من عذابات كافّة الحوادث غير المتوقّعة.   

بعيدا عن الخيال الافتراضي، هل سيكون سكّان البشرية خلال الألفية الثالثة مبنّجين ضدّ عذابات الدنيا ويكفي أن يتناولوا حبوب Propranolol كي ينعموا بهناء نفسي دائم؟

لو كانت الحياة بهذه السهولة والحزن العميق يُكافح بدواء، ما نفع انتظار نعيم الجنّة في السماء طالما أنّ الجنّة قادرين على صنعها بنفسنا على كوكب الأرض؟          

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.