تخطي إلى المحتوى الرئيسي
صحتكم تهمنا

حمام الأشجار : الارتماء في حضن الغابات طارد للضيق النفسي

سمعي
الصورة (pixabay)

منذ العام 1982، تبنّت حكومة اليابان، لخشيتها على الطبقة العاملة، برنامجا خاصا يحرّر الموظفين من الضيق النفسي من خلال تنظيم زيارات إلى الطبيعة العذراء في سبيل الحصول على "حمّام الأشجار" الشبيه إلى حدّ ما بحمّام الشمس.

إعلان

هذا التقليد في الطبّ الطبيعي الياباني  يحمل تسمية « Shinrin yoku »، ما معناه النزهة في الطبيعة بهدف تخليص النفس من ارتدادات التوتّر. فحمام الأشجار ينفع جسم الانسان تماما كما ينفع حمام العلاج بمياه البحر Thalassothérapie.

بعدما راجت موضة حمّام الأشجار في الغرب منذ خمس سنوات، يُسمّي الغربيون هذا العلاج الطبيعي « Sylvothérapie » الذي هو ليس إلا فنّ التواصل مع الأشجار للشعور بجبروتها وهدوئها وحكمتها، هي التي تبقى مستقيمة حتى حينما نقوم بزراعتها في بيئة تكون قوى الجاذبية فيها معدومة.

حتى ولو لم يكن يجوز نعت "حمام الأشجار" بالعلاج القائم بحدّ ذاته، إلاّ أن النزهة في الطبيعة لا شكّ بأنّها تنعم على الانسان بأمور إيجابية.

بادئ الأمر أن يقوم المتنزّه في الغابة بعناق جذع الشجرة كمن يحضن أمّه، يشعر بذبذبات إيجابية تتخطّى مجرّد العودة إلى التواصل مع الذات أو التواصل مع الغابة والكون.

فحسب الدكتور Qing Li الطبيب الياباني الاختصاصي في علم المناعة في كليّة الطب في مدينة طوكيو، إن حمام الأشجار Sylvothérapie يعود على الانسان بفائدة بارزة هي تعزيز المناعة وتقويتها ضد الأمراض والسرطانات.

بالاستناد إلى دراسة قام بها الطبيب Qing Li مع فريق من الباحثين اليابانيين، جاء أنّ الخلايا الدفاعية القاتلة Natural Killers (NK cells) تزداد بنسبة 50 % في الدم بُعيد الإقامة لثلاثة أيّام ضمن الغابة.

لحماية نفسها من البكتيريا والفطريات السامّة، تبعث أشجار الغابة في الهواء جزيئات طيّارة غير مرئية بالعين المجرّدة. هذه الجزيئات تُسمّى « phytoncides ». فحينما يتمشّى الإنسان ما تحت الأشجار لساعتين يوميا، يتنشّق هواءً غنيّا جدا بجُزيئات Phytoncides التي تلعب دورا هاما في تنشيط الخلايا الدفاعية القاتلة Natural killers.

إضافة إلى ما سبق، تتكاثر بعد النزهة في الغابة البروتينات المُضادة للسرطان وينخفض ضمن الدم هرمون الكورتيزول أي هرمون الإرهاق stress. ولذلك يعتبر حمّام الأشجار مفيدا لتنشيط الدورة الدموية ولتخفيف التوتر والشعور بالطاقة الحيوية.  

الترويح عن النفس بالتنزّه  تحت أغصان الشجر يُبعدنا عن الذبذبات السلبية الصادرة عن شاشات الحواسيب، فتخفّ أعراض التعب وآلام الرأس وتشنّج عضلات الرقبة والأكتاف التي تحصل من جرّاء الخمول والجلوس المطوّل في مكاتب العمل.

وأظهر باحثون بريطانيون من جامعة Est-Anglie أنّ حمّام الأشجار يقلّص الضغط الشرياني ويبطّئ دقّات القلب ويهدّئ القلق النفسي ويحسّن جودة النوم.

إنّ الاستمتاع برؤية الخضرة وتنشّق الزيوت العطرية المنبثقة من صمغ الأشجار وأوراقها ينشّط الجهاز العصبي البراسمباتي المسؤول عن استرجاع العافية الفيزيائية والسيكولوجية.

إلى كلّ هذا، قامت دراسة أعدّتها جامعة Hokkaido  اليابانية بالكشف عن أنّ رياضة المشي في الغابة لمسافة تتراوح ما بين ثلاثة وستّة كيلومترات، مكّنت مرضى السُكّري من التحكّم بتوازن مستوى السكّر في الدمّ. ففائدة حمّام الأشجار لمرضى السكّري هي بمثابة الفائدة التي يُحصلون عليها من الرياضة.  

لطالما كانت الغابة أمّ الإنسان الأوّل. ولكن مع إنشاء المدن الحضرية وتوسّعها إلى مناطق سكّانية ضخمة، أبعدت العصرنة الحديثة الإنسان عن رئة الأرض التي هي "الغابات والحياة البيولوجية فيها".

مع علوّ ناطحات السحاب وعشوائية البناء بالباطون في الهندسة المعمارية المخرّبة بالطبيعة وضيق المساحات الخضراء، ضاق صدر الإنسان ولم يعد يتنفّس الهواء النقيّ في سجن المدن المكتظة حيث عجلة الحياة باتت مرهقة.

فحالما تستطيعون يا أبناء المدن الخروج منها لقضاء فرصة استجمام وراحة في قلب الغابة، لا تتوانوا لحظة واحدة عن القيام بذلك.

ننصح محبّي القراءة بكتاب "الحياة السرية للأشجار la vie secrète des arbres " الذي ألّفه مهندس الغابات الألماني Peter Wohlleben وصدر عن دار Les Arènes بعدما قامت بترجمته إلى اللغة الفرنسية Corinne Tresca. حطّم هذا الكتاب الأرقام القياسية في مبيعات المكاتب الفرنسية منذ تاريخ نشره في عام 2017. 

أمّا الراغبون بمعرفة المزيد عن حسنات حمّام الغابات، نضع بتصّرفهم أسماء ثلاثة كتب أخرى تدور حول هذا الموضوع هي:
- « Le guide des bains de forêt », Amos Clifford, éditions Trédaniel.
- « Shinrin yoku, l’art et la science du bain de forêt », Dr Qing Li, First Éditions.
- Un bain de forêt » Éric Brisbare, éditions Marabout.      
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.