تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: هؤلاء وحدهم

سمعي
مونت كارلو الدولية

رفيقاتي ورفاقي الناشطات والناشطين،حان الوقت لكي أعترف لكم: في بلدٍ كلبنان، ساسته جشعون، وفاسدوه وقحون، ومسؤولوه مستكلبون على غنائم الدولة المسكينة حتّى بعدما أصبح لحم هذه الدولة عظاماً بل فتات عظام، لم أعد أؤمن بفاعلية التظاهرات والاعتصامات ولا بأيّ شكل من أشكال الاعتراض المتعارف عليها.

إعلان

أتابع تحرّكاتكم منذ مدّة عن بعد، من حيث أنا في جولتي الأدبية في أوروبا، وأراقب تجمّعاتكم المتنوّعة، أكانت تلك الموجّهة ضد المحارق أو استملاك الشواطئ العامة أو الموازنة أو العنصرية أو سواها من المصائب الراهنة الكثيرة في بلدنا العزيز. ولكن، ما نفع الاحتجاج أمام حكّامٍ، معظمهم لا يصغون، وإذا أصغوا لا يكترثون، وإذا اكترثوا لا يرعوون؟ ما تأثير المسيرات والعرائض في زعماء، غالبيتهم يعتبرون الشعب محض برغش؟ يكفي النظر، على سبيل المثل، الى طريقة تعامل مواكبهم معنا كي نستنتج قيمتنا الحقيقية لديهم. "زيحوا أنا الزعيم"، على الطرق كما في العقول.

بعد عقودٍ من تركيز قوانا على إيقاظ ضمائر هؤلاء، وهي ضمائر كنّا نظنّها نائمة فحسب – يا لسذاجتنا –؛ وبعد عقودٍ من محاولة ليّ أذرعهم بأساليب ديموقراطية تؤدي، في دولٍ تحترم نفسها ولدى شخصيات تملك الحد الأدنى من الكرامة، الى استقالة وزراء ومحاكمة رؤساء وسجن نوّاب؛ بعد هذا الكدّ العبثي كلّه، "خلص"! "ستوب"! حان الوقت لكي نقبل حقيقة أن ساستنا مجرّدون من الضمائر، وأن الديموقراطية في دولتنا مزحة، "شمّ ولا تدوق"، إسم على غير مسمّى. تالياً، بات علينا في رأيي أن نوجّه قوانا في اتجاه آخر: في اتجاه توعية الناس، أي العنصر الذي يمنح هؤلاء الزعماء والسياسيين هذه القوّة.

أعرف ما ستقولون: "فالج لا تعالج. المتحزّبون عميان وطرشان وخرسان، يستميتون في سبيل زعيمهم حتى لو بصق عليهم" (وهو حقاً لا يفعل سوى ذلك). وستكونون على حقّ. أنا لا أتكلم على هؤلاء. كلّ محاولة لهزّ هؤلاء من خدرهم الآن هو هدرٌ للطاقة والوقت. إنسوهم. أتحدّث عن الصبايا والشباب الذين سيصنعون لبنان الغد، ويريدونه مختلفاً عمّا يرون اليوم. لنلتق بهم. لنتواصل معهم. لنناقشهم. لنصغ إليهم. لنكسبهم. قد لا نلمس النتيجة في القريب العاجل، لكننا سنكون ساهمنا في الأقل في بناء دولة محترمة وحديثة في المستقبل، لبنان الحق والعدالة والإنسان، لهم ولأبنائهم.

هؤلاء وحدهم يزلزلون الأرض التي يتربّع فوقها أهل الطبقة السياسية. هؤلاء وحدهم ينقذوننا من الكابوس.

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

 

 

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.