تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: " أصحاب العمم و مطرقة الحاكم"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في القرن السادس عشر أتى إلى الأزهر الشريف طلاب يمنيون للدراسة، وجابوا معهم القهوة، وقد اشتهر بها وقتها الصوفيون اليمنيون ، وفي هذا التوقيت أفتى الفقيه "أحمد بن عبد الحق السنباطي"، بتحريم القهوة، لأنها مادة في رأيه تؤثرعلى العقل، وانسياقا للفتوى عارضها المجتمع بشدة وآمنوا بأنها مشروب محرم شرعا، مما دفع البعض لتحطيم القهاوي، وكانت النتيجة أن قامت حرب بين التجاراللي بدأوا يستوردوا البن, وبين مؤيدي الشيخ "السنباطي"، وبموت بعض الأفراد من فريق التجار، حوصر الشيخ ومؤيديه في المسجد.

إعلان


اشترك أهالي القتلى في الحصار، أقاموا صوان بالأعمدة ،و صنعوا القهوة السادة، واستمر الحصار لمدة ثلاثة أيام بلياليهم، و

علم الوالي العثماني بما حدث، فاستاء من الفوضى وحاول حل الأمر، فأعطى أوامره فأفتى مفتي الوالي آنذاك بشرعية شرب القهوة، و امتثل الجميع لأمر الوالي على لسان الفقيه حتى أننا حتى الآن لا نقيم عزاء إلا بشرب القهوة السادة في صوان لمدة 3 ليالي.،.

نقفز إلي سنة 1884 حين عَمَمَّت سلطات الاحتلال الإنجليزي منشورا باستبدال أماكن الوضوء في المساجد بصنابير متصلة بشبكة مياه الشرب النقية اللي أقامتها، ويقال أن السقايين في أنحاء المحروسة أصابهم ذعر من قطع عيشهم، ،وانتهوا إلي التصدي لذلك الخطر الداهم اللي بيتهددهم، بفكرة ذكية، فتوجهوا إلى أئمة المذاهب الأربعة لاستصدار فتوى بأن ماء مواسير المياه لايصلح للوضوء لأنه مخلوط بالكلور فصدق على كلامهم أئمة الشافعية والمالكية والحنابلة . لكن أئمة المذهب الحنفى خذلوهم وأفتوا بأن الوضوء من ماء الصنبور مقبول بل و مستحب فأصدر الخديوي فرمانا واجب التنفيذ باستبدال الميض في جميع المساجد فاستجاب لأمره الجميع.

نقفز قفزة كبيرة شوية لعام 2019, حيث كانت القوانين السعودية تنص على أن سفر المرأة لابد ألا يتم إلا بإذن كتابي من ولي أمرها, , و كان هذا الرأي يلقى احتفاءا كبيرا من الأئمة و الشيوخ اللي أوردوا الحديث بعد الحديث و التفسير بعد التفسير و أحيانا دللوا بالإعجاز العلمي المرتبط بمنع سفر المرأة  (حاجة كده شبيهة باللي قبلهم اللي اكتشفوا أن قيادة المرأة للسيارة تضر بمبايضها), و لكن أتى أمر الحاكم, فاكتشف بعض الشيوخ فجأة واقعة من فصيلة (تطوى و لا تروى حتى لا تضل العامة) عن سفر السيدة عائشة دون محرم أو إذن وصي فأفتوا بالجواز, و هكذا ينكسر قيد آخر مزركش بالزخارف الدينية حين يستمع أصحاب العمم لصوت مطرقة الحاكم.

مجتمعاتنا بيتحكم فيها بشكل كبير الفتاوى و الآراء الدينية اللي بيرفعها الناس أحيانا من خانة الرأي لخانة المقدس و المفروض, و قرن بعد قرن و واقعة بعد واقعة بيتضحلنا إن كتير من الآراء دي بيتم إقرارها و إلغاءها بخبطة من مطرقة الحاكم و إشارة بإصبعه, مش بتأييد من السماء و لا بأوامر ربانية .

 ألم يأن الأوان للتخلص من سيطرة القوى الدينية على مصائرنا و الاحتكام لقوانين منطقية عقلية ثابتة لا تتغير بناءا على رأي غير متخصص من معمم و لا أهواء شخصية من حاكم؟

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

 

selfpromo.newsletter.titleselfpromo.newsletter.text

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.