تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: " أنا أمّ هؤلاء"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أنا أمُّكِ أيتها المولودة الجديدة التي عبسوا في وجهها ما إن خرجت من رحم أمّها. عبسوا لأنكِ أنثى، والأنثى في أعرافنا ناقصة. تعالي الى قلبي يا مولودتي: كمالُكِ متجلٍّ فيه. أنا أمُّكَ أيها الولد الذي ضربه أبوه لأنه بكى. ضربكَ لأن الصبيان لا يبكون في أعرافنا. الصبيان إما يحاربون أو يحلمون بالحرب. تعال الى قلبي يا ولدي واسقِ ينابيعَه بدموعكَ.

إعلان

أنا أمُّكِ أيتها الطفلة التي زوّجوها بينما كانت لا تزال تلعب أمام الدار. زوّجوكِ لأنك همّ ينبغي التخلّص منه. لأنك غرضٌ يمكن بيعه وشراءه في سوق النخاسة هذه. 

أنا أمُّكَ أيها الطفل الذي اغتصبوا براءته. اغتصبكَ الوحش ثم أدار ظهره وراح يعظ بالفضيلة والتقوى. اغتصبكَ من كان يجدر به أن يحميكَ يا طفلي.

أنا أمّكِ أيتها الإبنة التي لم تنعم بحنان الأم أو عطف الأب. التي لم تستطع يوماً أن تبوح بأفكارها وحقيقتها لعائلتها. التي تشعر أن الحياة امتحان متواصل تفشل فيه باستمرار.

أنا أمّكَ أيها الفتى الذي بدأ يعمل مذ بلغ العاشرة. لم تعرف من الطفولة إلا الاسم يا حبيبي. سرقوها منك لقاء دولار، وتركوك وحيداً تمسح زجاج السيارات.

أنا أمّكِ أيتها الفتاة التي منعوها من إكمال دراستها. منعوكِ لأنهم قرروا سلفاً دوركِ في الحياة. آلة إنجاب. أداة تنظيف. متنفّس جنسي. ومعمل طبخ. 

أنا أمّكَ أيها المراهق الذي يحتقرون لأنه مختلف عنهم. يكرهونكَ ويحكمون عليكَ ويعاقبونكَ لا لذنب سوى لأنك لستَ مثلهم. وكل من ليس مثلهم لا يكون "طبيعياً". هم الشواذ يا حبيبي، لأنهم ليسوا بشراً.

أنا أمّكِ أيتها الأخت التي قتلوها باسم الشرف. قتلوك لأنهم يستطيعون. ولأنّهم أنذال. ومجرمون. وأشباه رجال. ولأنهم خصوصاً بلا كرامة وبلا شرف.

أنا أمّكَ أيها الشاب الذي خطفوا منه صوته وأحلامه وقدراته. خطفوها منك لأنك في دولة لا تحمي إلا جيوب ساستها، وتعتبر الشعب حاشية يا ابني.

أنا أمّكِ أيتها الزوجة التي تتعرض للإهانة أو الخيانة أو الضرب، أو كلّها معاً، أو ما هو أسوأ. يهينكِ ويخونك ويضربك لأنك محض ضلع. يستطيع استبدالكِ متى حلا له ذلك. 

أنا أمّكَ أيها الرجل الذي ربّوه على الكره بدل الحبّ، على الرفض بدل القبول، على التطرّف بدل الوعي، على الذكورية بدل الإنسانية، لكنك قاومت وظللت إنساناً رغماً عن أنوفهم. كم أنا فخورةٌ بك يا صديقي.

أنا أمّكِ أيتها الأم التي حرموها من أولادها عندما تطلّقت. أنا أمكِ أيتها الأم التي تبهدلت عندما تطلّقت. حُرمتِ وتبهدلت لأن دينك البطريركي ضدّك. ودولتكِ ضدك. وحتى عائلتك ضدكِ.

أنا أمّكَ أيها الأب المقهور لأنك مهما فعلت وبذلت، سينام أحد أولادك جائعاً هذه الليلة. تعمل في ثلاثة وظائف ولا تستطيع أن ترفع عنهم ظلم هذه الحياة. 

أنا أمّكم جميعاً نعم. واحدةً واحدة وواحداً وواحداً. وكل آخ تتنهدّون بها تدوي كمثل قنبلة في أحشائي ووجداني.
 

جمانة حداد

 

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

 

 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.