تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "عندما أموت "

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: كانت امرأة عاقلة وحكيمة، تزن الأمور بدقة قبل قيامها بأي خطوة، وتحدد خياراتها بناء على ما يمليه الصواب والمنطق... بل قولوا: كانت شغوفة حد الجنون، ترتمي في البراكين بلا تردد، لأنها تعرف أن الحمم صديقاتِها، ولأن الاحتراق جميل وحسن. تجد طريقها بالحدس والغريزة، وإن أخطأت في منعطف أو اثنين، لا تخاف أن ترجع الى الوراء وتحاول من جديد.

إعلان

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: كانت مؤدبة ومطيعة وخفرة، "البسينة بتاكلها عشاها"... بل قولوا: كانت تتغدى الضباع قبل أن يتعشوها. متجاسرة، متطاولة، صوتُها عال عند الضرورة، ومزعج لمن ينبغي له أن ينزعج منه. أما طيبتها، فلمن يستحق طيبتها حصراً.

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: كانت قنوعة رضية... بل قولوا: أف. كم كانت نهمة، طموحة الى درجة لا تطاق. دائماً تريد ما هو أكثر، ما هو أعمق، ما هو أبعد من السماء. أحلامها مستحيلة. ولأجل ذلك حقّقتها.

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: كانت عنصراً صالحاً في مجتمعها، حافظت على عاداته وتقاليده. بل قولوا: ثارت وتمرّدت وخرّبت وهدّت وعمّرت، ولم تترك شيئاً لا يرضي ضميرها وقناعاتها إلا وحاولت تغييره.

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: ربّت شابين مهذّبين. بل قولوا: ربّت محاربين شرسين في سبيل عالمٍ أفضل، أكثر عدالة وإنسانية.

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: عانت كثيراً وجاهدت طويلاً وتعبت شديداً... بل قولوا: غرفت من الحياة ملء قلبها وحواسّها ووعيها. وكل ما بذلته، عاد إليها أضعافاً حبّاً.

عندما أموت، لا أريد أن تقولوا: "المأسوف على شبابها"... بل قولوا: "لم تترك ناراً، تلك الملعونة، إلا وأشعلتها!".

عندما أموت، قولوا: "عاشت". 
 

جمانة حداد

 

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.