تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

هند الإرياني: "أولادكم ليسوا لكم"

سمعي
مونت كارلو الدولية

قبل أشهر شاهدت موقفا جعلني أنفعل، وأنا لمن يعرفني شديدة الهدوء وأنفعالاتي نادرة جدا. كنت بداخل قطار المترو عندما شاهدت أمامي أم شابة ومعها ولديها فتاة وصبي. كانت الأم ترتدي الشورت وقبل أن تدخل للمترو قالت لأولادها "يالله" فعلمت أنها عربية، ثم بدأت تتحدث بالإنجليزية بلهجة أمريكية فكان واضحا بأنها سائحة في السويد. 

إعلان

في البداية كنت سعيدة وأنا أشاهد أم شابة يبدو بأنها مثقفة وربما واعية ولكن وللأسف خيّبت ظني. بعد دقائق بدأت تؤنّب ابنتها بطريقة حادة ومنفعلة لا أدري لماذا، وكان ذلك بصوت عالٍ جعلني التفت لأرى ما يحدث. البنت شعرت بالخجل لأن والدتها كانت تهينها أمام الناس ويبدو أن ابنتها بين العاشرة والاثني عشر من عمرها، أي في عمر حساس. وبسبب شعورها بالاهانة والخجل، غطت وجهها بذراعيها. 

التفتُّ للجهة الثانية وأنا أشعر بالألم على الفتاة ولكنني حاولت أن أعذر الأم على تصرفاتها، فقلت في نفسي  (ربما قالت البنت شيئا ما جعل الأم تخرج عن طورها وتصرخ في وجهها، ربما ربما.. ).

ولكن بعد قليل سمعت الأم تصرخ في وجه ابنتها للمرة الثانية  ثم تطور الأمر وقامت بضربها على يدها. هنا لم أعد أستطيع أن أتمالك نفسي، شعرت بغضب شديد بسبب تعرّض هذه الفتاة الصغيرة  للضرب والإهانة، وتأكدت بأن هذه الأم ليست مقيمة هنا لأن هذا الموقف يعرّضها لمشاكل وقد يؤخذ منها أبناؤها إن ثبُت أنها تعاملهم بعنف. 

استمرت الأم في إلقاء الإهانات على ابنتها، والإبنة لا تفعل شيئا غير أنها تبكي بصوت منخفض وتغطي وجهها.

كانت محطتي قد اقتربت، فقمت من مكاني وأنا منفعلة وذهبت للأم وقلت لها بالإنجليزية بغضب شديد "في هذه البلد ممنوع ضرب الأطفال، هل تفهمين ذلك؟" لا أتذكر غير وجهها المندهش وربما الخائف، ومشيت بسرعة وترجّلت من القطار ولا أنكر بأنني خفت أن تكون الأم مجنونة وتفعل بي شيئا لذلك مشيت سريعا، والتفت ورائي ولله الحمد كان القطار قد رحل ولم تلحق بي تلك المرأة.

أتذكر الآن ملامحها المرهقة والتي يبدو منها بأنها متعبة نفسيا. وللأسف الكثير من الأمهات يتعرضن لضغوطات في حياتهن ويصببن كل ذلك الغضب على الأبناء الذين لا ذنب لهم. هذا بالاضافة للفكر الخاطئ بأن الطفل لا يفهم ويجب فقط إعطاءه أوامر صارمة بدل التحدث إليه كإنسان يعي ما يفعل، واستخدام التخويف معه بدلا من التفاهم والحب.

ثم يكبر الطفل ويصبح من الصعب التعامل معه بطريقة أخرى غير العنف والترهيب، وقد يصل التحكم في حياة الأبناء لدرجة التدخل في قراراتهم الشخصية من دراسة وزواج والتسبب في تعاستهم. وصدق جبران خليل جبران عندما قال " أولادكم ليسوا لكم"، وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم. 

 

 

 

 

 

 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.