تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "نصف العمى"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في وسط فوضى الكورونا و زحام رمضان لم تكن هناك سوى فرص قليلة للخوض في مواضيع جديدة غير المواضيع المعتادة لهذه الفترة المضطربة من حياتنا, وفر إحدى هذه الفرص برنامج من برامج (المصارحة) أو معنى أصح (برامج الفضائح) التي عمادها في الغالب مذيع أو مذيعة بيتمتعوا بالجرأة و بيقوموا بمحاصرة ضيف مشهور بالأسئلة المحرجة حتى يعترف بأدق أسراره أمام الكاميرا.فيحصل المذيع على اللقطة و يطمئن  المشاهدين إن مش بس حيواتهم الصغيرة هي اللي معطوبة لوحدها.

إعلان

في أحد تلك البرامج ظهر فنان شهير لتضغط عليه المذيعة (الجريئة) ليعترف أمام الكاميرات بسر خطير و غريب في وقعه على آذان الجمهور الرمضاني.. إعترف الفنان إن بنته أصبحت إبنه.

و بينما بدا إن المعلومة مش مفاجأة للمذيعة و إن الأمر معروف في الأوساط الفنية إلا إن دي كانت أول مرة تعرض حالة (عبور جنسي) من جنس لآخر على شاشات التليفزيون بهذا التجرد و هذا التناول العاقل اللي لم ينجرف ناحية السخرية و لا المحاكمة الأخلاقية, و كان دور كبير في التعامل مع الأمر بكل هذا العقل هو أسلوب كلام الممثل الشهير اللي اتكلم ببساطة عن دعمه لإبنه اللي كان دايما حاسس من الناحية لنفسية إنه ولد محبوس في جسد بنت, و إنه ما كانش عنده خيار غير إنه يدعمه في رحلة التحول الصعبة جدا اللي ما بتقتصرش صعوبتها على مجتمعاتنا العربية .

و على غير العادة (أو يمكن لأن الجمهور المتلقي مافهمش قوي تفاصيل الحالة) لقي حديث الممثل الشهير و الأب الداعم تقبل واسع بل و احتفاء في أوساط الجمهور العادي.

لكن و بينما البعض بيستمتع بيوفوريا التقبل و مساحات التسامح دي تساءل البعض الآخر, ماذا لو كانت الحالة عكسية, أي ماذا لو كان إبن الممثل ولد بيتحول لبنت, التساؤل رد عليه بنفسه الممثل الشهير في برنامج آخر, فرد إن الوضع طبعا هيكون مختلف, فهو اتربى في مجتمع مصري و عربي بيقول إن الرجال سابقين الستات بخطوة و أحسن منهم.

و هنا نزل القول كالصدمة على البعض و شافوا فيه عنصرية و تعالي , بينما البعض سخروا من المصدومين على اعتبار إن الرجل مش لازم يجيب العلامة الكاملة في امتحان الحياة, يكفيه إنه أب مصري عربي تقبل حالة زي دي, و هو في النهاية رجل إبن مجتمعه.

حاولت أفكر في الأمر كتير و أعلم أن في وجهة النظر الثانية وجاهة, لكني في النهاية لا أستطيع أن أقتنع, هل لو خرج الرجل بتصريح عن إنه اتربى إن المسلمين أفضل من المسيحيين مثلا هنسمع نفس رد الفعل ملتمس الأعذار؟, هل لو استبدلنا الكلام عن الرجال و النساء بالكلام عن الفقرا و الأغنياء هل هيكون فيه هذا التقبل اللي بيتبع المثل الشعبي الشهير (نص العمى و لا العمى كله)؟ , أم إن النظرة الدونية للنساء أصبحت شيء متوقع و غير مستنكر بل و في بعض الأحيان مستباح و مستحب في مجتمعاتنا للدرجة اللي يتم بيها تقبل أي تلطيش ينوبهم و للدرجة اللي تخلي المجتمع متقبل لتحولهم لرجال, لكن الكارثة كل الكارثة في أن يتحول رجالهم لنساء؟

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.