تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: " مسألة شخصية وأكثر "

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

غالباً ما يوجّه إليّ الأصدقاء ملاحظة حول أسلوب تفاعلي مع أمور هذا البلد، إذ يقولون: "أنت تأخذين كل شيء على محمل شخصي، وينبغي لكِ أن تكفّي عن ذلك! تعلّمي الفصل بين مشاعركِ الشخصية وبين القضايا العامة". 

إعلان

... ودائماً، دائماً، أجيبهم: ولكن كيف؟ كيف يمكنني ألا آخذ الأمور باعتبارها مسألةً شخصية؟ كيف يمكن ألا يكون فساد السياسيين المتواصل مسألة شخصية عندي وعندكم؟ وماذا عن تطنيش الزعماء الوقح؟ وترهيب المواطنين الجبان؟ وطائفية الطائفيين المقرفة؟ وقطيعية المستزلمين المَرَضية؟ وغلاء الأسعار الفاحش؟ وجوع الناس؟ ماذا عن جوع الناس يا ناس؟ كيف يعقل ألا يكون جوع كل بني آدم مسألة شخصية بالنسبة الى كل ابن آدم آخر على هذه الأرض؟

تقولون "فصلاً"؟ الفصل بين شو وشو؟ تباً لهذا الخبث الذي تختبئون وراءه وتعتبرونه دلالة على النضج والحكمة، وما هو في رأيي سوى تذاكٍ، وبرهان لامبالاة، وحتى لا إنسانية في بعض الأحوال.

كل ظلمٍ يصبح عندي مسألة شخصية، وأكثر من شخصية، أينما صار. كل ظلمٍ يقع في الكون، يمسّني شخصياً ومباشرة وبقوة، مهما كان: أبكي على امرأة قتلها زوجها في مكسيكو مثلما أبكي على طفلة قتلها والدها في طرابلس. أئن لرؤية رجل مسنّ يفترش شوارع باريس مثلما أئن أمام المشهد نفسه في الحمرا. يذبحني طفل ينقّب في نفايات نيودلهي مثلما يذبحني طفل ينقب في نفايات صور. أبصق على وجه سياسيّ عنصري في أميركا مثلما أبصق على وجوه سياسيي لبنان الفاسدين الكاذبين العفنين.

إذا لم يكن المعيار الإنساني واحدًا في النظر إلى آلامنا وآلام الآخرين، وإذا لم نتعامل مع هذه الآلام باعتبارها مسألة شخصية، فنحن لا نستحق الشفاء. نعم للتعاطف. نعم للغضب. نعم للحزن. نعم للصراخ. نعم للتأثر.

من الآخر: إما نكون بشراً، وإما لا نكون.

جمانة حداد

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.