تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

هند الإرياني: "الكمامة ونقاب جدتي "

سمعي
مونت كارلو الدولية
إعداد : هند الإرياني

جدتي كانت إنسانة بسيطة لم تتعلم في حياتها سوى سورة الفاتحة، وسور قصيرة من القرآن لترددها أثناء صلاتها، ولكنها كانت تتمتع بالذكاء الحاد. تذكرت جدتي هذه الأيام ونحن نعيش عصر وباء الكورونا.

إعلان

تحكي لي والدتي أن في زمن الأوبئة في مدينة جبلة، اهتمت جدتي بعزلهم، فأغلقت الأبواب والشبابيك ومنعت أي زيارات إلى أن انتهى الوباء في المدينة. كانت جدتي أيضاً تهتم بأن يكون لها كأسٌ خاصٌّ بها، وهذا كان غريباً في ذاك الوقت. 

وبمناسبة الاهتمام بلبس الكمامة  لمواجهة جائحة كورونا تذكرت اهتمام جدتي بلبس النقاب، لم تكن ترتديه للحفاظ على صحتها بالطبع ولكن لأسباب دينية ومجتمعية. 

أتذكر في أحد الأيام رأيت جدتي تبكي بسبب أن أحد الرجال شاهد وجهها بالخطأ، كانت تبكي بحرقة وكأنها وقعت في مصيبة. ورغم أنها في الفترة الأخيرة من حياتها كانت تعاني من الربو إلا أنها كانت تصر على ارتداء النقاب، ويبدو أن إصرارها هذا كان لأسباب مجتمعية أكثر منه دينية. 

فعندما سافرَتْ لخارج اليمن لم تكن ترتدي النقاب، وكانت مبتسمة وسعيدة واستطاعت أن تتنفس بشكل طبيعي وهذا أثّر إيجابياً على سهولة حركتها، وإقبالها على الحياة. ولكن هذا الأمر لم يستمر إلا أياماً معدودةً أثناء سفرياتها. 

ورغم اهتمام جدتي بارتدائها للنقاب إلا أنها كانت تتفهم التغيّرات التي حدثت في زماننا، فلم تتضايق بأن حفيداتها لا يرتدين النقاب، بل أنها لم تعلق أبداً على عدم ارتداء بعضنا للحجاب (تغطية الشعر)، كانت واعية ومتقبلة للتغيير. جدي أيضا -زوجها- رغم أن جدتي لم تتعلم ولم يحاول تعليمها، وأيضا والدتي والتي كانت الأكبر بين أخواتها، الا أنه فيما بعد عندما زادت مدارس الفتيات اهتم بتعليم خالاتي وذهابهن للمدارس. 

وعندما سألوه عن ذلك وهو قاضٍ لمدينة جبلة، قال "لكل زمان احتياجاته". كان متقبلاً لوجود التلفاز والمذياع والموسيقى رغم أنه عالم دين. 

نحن كعائلة محظوظون بأن أجدادنا لم تكن عقليتهم جامدة ومتوقفة في زمن معين، كانوا متجددين بأفكارهم وتقبل الحريات تدريجياً. وأعتقد أنه لو كان معنا لهذا اليوم لكان شرح ما أفعله من نشاط حقوقي يرفضه المجتمع حالياً أسهل من شرحه لأقرباء وأصدقاء وصديقات  يعيشون معنا في هذا الزمن، فالوعي في الانسان لا علاقة له بمدى تعلمه واطلاعه على العالم، وإنما هي شخصيات قد تكون واعية رغم عدم حصولها على التعليم وشخصيات ليست واعية رغم أنها متعلمة.

اسأل الله الرحمة لجدي وجدتي وأشكرهم أنهم جعلوا حياتنا أسهل وساهموا في تربية والدتي الواعية التي علمت وثقفت نفسها بنفسها رغم أنها لم تتعلم الا قراءة القرآن، واليوم تتعلم اللغة السويدية رغم أنها في الثامنة والستين من عمرها. وأدعو الله أن يبارك في عمرها، ويزيدها وعياً

 

هند الارياني، صحفية وناشطة اجتماعية، مدافعة عن حقوق المرأة والطفل، حاصلة على جائزة المرأة العربية لعام ٢٠١٧.

فيس بوك اضغط هنا

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.