تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "هل قلتم جحيم؟ "

سمعي
مونت كارلو الدولية

كل واحد منّا تقريباً، باستثناء أقليةٍ أهلها ومجتمعها متنوّرين، يكبر على وقع رواية مرعبة عن مكان اسمه الجحيم، أو جهنم، هو دار العذاب الأبدي للخطأة بعد موتهم. الأخت صوفي كانت تقول لنا في صفّ الكاتيشيز إننا سنحترق لا محالة لأتفه الأسباب. سنحترق لأننا كنّا نضجّ ونزعجها. سنحترق لأننا لم نحفظ الوصايا العشرة عن ظهر قلب. سنحترق لأننا تشاجرنا مع رفيقتنا. وكنتُ، أنا ابنة الثامنة، لا أنفك أتخيّل نفسي على سيخ كمثل سيخ اللحم المشوي، والشيطان يقلّبني على نار خفيفة لألف سبب وسبب. 

إعلان

لا شك عندي أن هناك قصصاً كثيرة من هذا القبيل في طفولة غالبيتنا. ولم أبدأ في التشكيك فيها أو الاعتراض عليها إلا عندما أخبرنا الكاهن في أحد الأيام أن الشخص الذي ينتحر يذهب الى جهنم. كانت جدتي الحبيبة قد انتحرت لسنة خلت، وكانت مثال الحب والصبر والرقة. فكيف يعقل أن تكون في الجحيم؟ أي اختراع مروّع ولا إنساني هو هذا الدين الذي يقاصص ويحكم بالشقاء على مَن قتل نفسه من فرط شقائه؟

بعدما كبرتُ وساءلتُ وتساءلتُ وقرأت وفكّرت، فهمتُ الخدعة. لكنّ الضرر كان قد حلّ، وكانت الجحيم قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تخيلاتي. طبعاً، لم يساعد في طرد الهاجس واقع أن عدداً هائلاً من الرجال من حولي، في هذه المنطقة المنحوسة من العالم، كانوا يفجّرون أنفسهم وآخرين لكي يذهبوا الى المكان النقيض، أي الى الجنة المزعومة. هناك إذاً نوعان من الجرائم: جرائم تودي بك الى جهنم، وأخرى هي طريقك الى الفردوس. حلّوها بقا!

اليوم، أبعد من كل الآلهة والشياطين، من كل الأساطير والخرافات، بقي لدي يقين واحد: إذا كان هناك من إله، فهو أنا. وإذا كان هناك من ابليس، فهو أنا.

لا، الجحيم ليست الآخرين، على ما كتب جان بول سارتر. الجحيم هي نحن. 

وليس هناك مكان على وجه الأرض أكثر تعذيباً منها.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.