مدونة اليوم

غادة عبد العال : " تكدير الحياة والموت "

سمعي
مونت كارلو الدولية

لا تأتي المصائب فرادى، واحنا في عالمنا العربي المنكوب دائما نعاني من تكالب المصائب سواء كان مصدرها خارجي، كالحرب والغزو والدعوات الزائفة بالتحرير، أو داخلي كالفساد والجهل والتطرف والكراهية. 

إعلان

الكلام ده ماكانش واضح أبدا أكثر مما كان واضحا في حوادث عاصرناها بأنفسنا مؤخرا وآخرها حادث الانفجار الكارثي في ميناء بيروت الجميلة، شعب لسه بيعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية يخرج له غول الفساد ليزيد آلامه آلام للحد اللي دفع بعض المواطنين المطالبة بالتدخل الخارجي رافعين شعار "حكم الغريب ولا حكم الخسيس فيا". 

لكن لم يقتصر الأمر على الألم الوارد من الانفجار والفساد وآثاره، زي ما يكون مكتوب علينا كعرب أن تستنزف آلامنا حتى آخر قطرة، ففي الوقت اللي لا يتخيل حد إنه يستدعي أي شيء غير التعاطف مع الضحايا والغضب من الفساد والتأمل في ما وصل إليه الحال في منطقتنا المنكوبة، ظهرت كمان تعليقات الجماهير العربية الغراء على صور الحادث اللي المفروض ما تستدعيش في القلوب غير الصدمة والرهبة، لكن البعض رأى فيها الفرصة لممارسة خطاب كراهية وتزمت ديني بل وتحرش جنسي بشكل تسبب في صدمة أصحاب الفكر القويم.

تنشر إحدى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي صورة لفتاة يكسو الرعب وجهها تجري في الشارع، ليلاحظ أحدهم (أنبه إخواته) أنها ترفع ذيل فستانها أثناء ركضها المذعور، فيقارن بينها وبين السوريات اللي بيخرجوا من تحت الأنقاض في زعمه وهم ملتزمات بالحجاب! تنشر عدد من المواقع صورة لسيدتين بينضفوا آثار الدمار من الشوارع فتنهال التعليقات تعليقا على جسد إحداهما والتغزل أو بالأحرى التحرش بيها وبساقيها المكشوفتين! ينشر أحدهم صورة لمتوفاة جراء الانفجار، صورة جميلة لبنت جميلة من المفترض أنها تخلع قلبك وانت بتفكر في الجمال والحيوية والشباب ده اللي راح في غمضة عين، فيُعلق أحدُهم بمنتهى الانحطاط والحقارة  والتوحش اللي في الدنيا حاسدا من سيغسلهاّ!!!

ولا يُخفى علينا وعلى السامعين أن كل ده بينطلق من خطاب كراهية موجه بقاله عشرات السنين بيضخ قاذوراته في آذان وعقول وقلوب المتلقين، خطاب ديني موجه وكاره للمرأة وداعي للسيطرة عليها وتكبيلها ووضعها في إطار جنسي بحت (رغم إنكاره لذلك)، فهي من ممتلكات الجماعة اللي لابد من تغطيتها، وعقابها إن رفضت ذلك، وهي من يجب التنكيل بها وتكديرها إن هي اختارت أن تتخطى الخطوط الحمراء التي وضعها أناس يعانون أصلا من عمى الألوان، ولا يتوقف التكدير عندما تفارق الحياة، بل يتبعها حتى قبرها.

إنها خيبة متعددة الأركان، سلطة فاسدة، خطاب ديني تجاهل كل ما يتعلق بالدين إلا الدعوة لتشييء وامتهان وتكبيل المرأة، وجمهور يتابع حادث مأساوي نتج عنه قتلى وجرحى فبدلا من أن يغضب من الجناة ويتعاطف مع الضحايا، اختار أن يتوقف ليتأمل ويتحرش بأفخاذ امرأة!

غادة عبد العال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم