مدونة اليوم

غادة عبد العال : " السيرك الإلكتروني "

سمعي
مونت كارلو الدولية

أتذكر إني في مرة من المرات منذ سنوات عديدة أبديت إعجابي الشديد بفكرة اليوتيوب، وخاصة القنوات الشخصية اللي فيها ناس بتقدم نصيحة أو مساعدة أو طريقة عمل شيء بطريقة سهلة التنفيذ، كانت الفكرة بالنسبة لي نبيلة جدا، إن شخص ما ياخد من وقته ومجهوده عشان يفيد أشخاص تانيين بدون ما يحقق لنفسه شيء  اللهم إلا العائد المعنوي بالشعور إنه مؤثر مفيد.

إعلان

بالطبع كانت هناك قنوات و فيديوهات بعيدة عن كونها مفيدة بشكل عملي لأي حد، مجرد فيديوهات مضحكة أو قنوات ترفيهية أو مسارات بيعلق فيها ناس على الأحداث كشكل من أشكال التوثيق أو كمخرج من مخارج الإبداع.

لكن اتغير الزمن واتغيرت قوانين الإنترنت أو يمكن أنا وغيري كنا سذج ومانعرفش، لكن مع الوقت عرف الناس إن التواجد على اليوتيوب وعلى منصات تانية ممكن يكون سبب من أسباب الكسب المادي، ودون أي اشتراطات لجودة المحتوى.

وانفتح باب السيرك الإلكتروني وبدأ استقبال المواهب من كل الفئات.

الأول جاءت موجة الفاشونيستاز، البنات اللي بيعرفوا يلبسوا كويس واللي أصبح ليهم متابعين كتير، ثم جاءت مرحلة خبيرات التجميل أو حتى غير الخبيرات، أصبح من العادي رؤية قنوات بيتابعها آلاف لا تمتلك صاحبتها أي خبرة أو أدوات سوى قلم روج وقلمين كحل وأنبوبة كريم أساس.

ثم تطور الأمر لقنوات استغلال الأطفال والحيوانات، كل شخص عنده إبن أو إبنة أو حيوان أليف بيستعرض مواهبهم على قناته وفي مدة بسيطة بتتوالى الاشتراكات والأرباح.

 ثم أخد الأمر منحى غريبا وأصبح فيه موجة من ربات البيوت اللي بيعملوا فيديوهات غريبة عن طبيخهم أو ترتيبهم للشقة أو تنضيفهم ليها مع تحبيشة من إفشاء أسرار بيوتهم أو ادعاء لمواقف تمثيلية مفتعلة من الخلافات مع أزواجهم، حمواتهم وسلايفهم على التوازي.

وفجأة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي زي شباك مفتوح على فضايح البيوت، وكلما زادت الفضايح كلما زادت المشاهدات وتدفقت الأموال.

ثم جاءت موجة جديدة من رقص فتيات تحت السن على تطبيقات زي التيكتوك سببت صدمة للمجتمعات العربية اللي ما بقتش عارفة تتصرف إزاي مع موجة مستحدثة من موجة استغلال الفتيات لتحقيق أرباح، إستغلال البعض ليهم و استغلالهم لأجسادهم و مفاتنهم فيما يشبه شكل جديد من أشكال سوق الجواري..

هل من حقي إني أعترض على مجموعة الأفراد اللي بيعملوا محتوى مختلف بشكل كبير عن ذوقي وأصدر عليهم الأحكام الأخلاقية أو المتعالية؟ بالتأكيد في عصور التكنولوجيا اللي احنا عايشين فيها واللي بتوفر نوع من أنواع الاختيار الحر، ممكن جدا أكتفي بتجنب الأشياء اللي بتزعجني وأدور على الأشياء اللي مناسبة أكتر بالنسبة لي.

هل أساند هجمات السلطة على منتجي المحتوى اللي أنا شايفاه مبتذل وسجنهم؟  بالتأكيد لأ، مقاومة المحتوى المبتذل تكون بدعم المحتوى الجيد وبس، خاصة في ظل عدم مخالفة صانعي المحتوى المبتذل للقوانين أو تعمد إيذاء حد.

لكن في النهاية أنا مضطرة أتحسر على نبل فكرة كان من الممكن إنها تكون دليل على بقايا من إنسانية، فكرة إن إنسان يفيد إنسان أو حتى يرفه عنه، بدون ما ينتظر عائد، فكرة كانت نبيلة أفسدها كالعادة سيطرة الرأسمالية على عقول الجميع.   

غادة عبد العال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم