تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "بيروت"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

لن أرثيكِ. تستحقين أبهى من الرثاء. وأصعب من الدموع. ليس أسهل من البكاء عليكِ الآن. وليس أهون من تدبيج النصوص في وداعكِ العلني المرتجل. ولكن لا. لن أرثيكِ. لن أبكيكِ. لن أودّعكِ.

إعلان

من المخجل لي أن أنحني اليوم على سريركِ المهيب لأغطّيك بالورود. فأنا لا أريد أن أصرف الأنظار عنكِ. كما لا أريد أن أهيّئ لكِ غرفةً للنوم من أجل أن تضطجعي بعد سهركِ الطويل. سأترك لأطفالكِ أن يحتضنوا أسراركِ، ولألعابهم المبعثرة أن تمنع عنكِ عذاب الضجر.

لن أترك بابًا مفتوحًا على عينيك المكابرتين. لن أسمح لأحدٍ بأن يتسلّى بالتلصص على لونكِ الممتقع. لن أدفنكِ تحت التراب ولن أضعكِ في تابوت. سأحفظكِ يا بيروتي، يا بيروت، كما تُحفَظ اللوحات في المتاحف العارية. مثل ذلك لن يكون إهانة لذكائكِ الشرس. بل سيكون عزاءً لبيوتكِ، ولِما بقي من البيوت في البيوت بعد البيوت. 

لن أتغزّل بـ"دماركِ الجميل". لا، لن يكون دماركِ مادةً لكتب الأشعار وسطحًا للفنون ومسرحًا لشقاء الممثّلين. سيكون دعاءً طيّبًا لأهلكِ، لعشّاقكِ، لبحركِ، لركامكِ السخيّ، وسيكون لعنةً لكارهيكِ والحاسدين. 

لن أدعوكِ إلى "الصمود". تبًّا لمَن أوغر صدركِ بترّهات التصدي، وأكاذيب الصمود. 

لن أتنبأ بـ"قيامتكِ". لا أشتهي لكِ استعاراتٍ دينية، ولا هلوسات المنجّمين والعرّافين.

لن أقول سنغادر. لن أقول سنبقى. لن أقول انتهينا منكِ، ولن أقول لقد انتهيتِ منّا، ولا بدّ من وضع حدّ لهذه العلاقة القدرية بيننا. لن أقول سوف نبدأ من جديد. لن أقول تعوّدنا، ولن ألعن الساعة. لن أتحدّث عن الأمل والضوء والقوّة والتحدي، ولن أعدّد الهزائم والضربات والمرارات. 

ستقرّرين بنفسكِ، ما ستقرّرين. 

بمعزلٍ عن كلّ يدٍ وضغطٍ وحبٍّ وكرهٍ، ستقرّرين. 

وستكونين حرّةً سيّدةً مستقلّةً... عندما تقرّرين. 

جمانة حداد

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.