مدونة اليوم

غادة عبد العال : "كيف تصبح بطلا شعبيا"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في حادثة تم تصويرها بكاميرا الموبايل، تعدى أحد موظفي قطار من قطارات الأقاليم في مصر على مجند شاب لم يمتلك ثمن التذكرة، اشتد الجدال و تعالت الأصوات و بدا من الواضح عدم تكافؤ القوى، المجند صوته منخفض ملتزم بلبس الكمامة ربما عشان ماحدش يشوف وشه، و موظف القطار كأي موظف عنده 2 جرام سلطة عالي الصوت غليظ الألفاظ متعدي لحدود وظيفته اللي من مصوغاتها التنظيم و ليس إقامة محاكمة أو معاقبة المتهمين.

إعلان

وبينما اكتفى كل الركاب بمشاهدة المباراة غير المتكافئة، قامت سيدة برفع صوتها وإعلان استعدادها لدفع ثمن التذكرة حتى لا يقوم الموظف بإنزال المجند من القطار، وتم حل المشكلة ووصل القطار إلى محطته في سلام.

لكن زي ما احنا عارفين إحنا عايشين في عالم السوشيال ميديا ومواقعها، وكل فيديو يمكنه أن ينتشر من أقصى أطراف العالم إلى أقصاه بلمسة واحدة وهو ما قد كان.

إنهالت كلمات الامتنان والشكر والعرفان من المتابعين على السيدة المصرية البسيطة اللي بتمثل ملايين زيها من السيدات اللي حتى لو بيعانوا من مشاكل الحياة لكنهن بيظلوا حلالات المشاكل  والمتعاطفات مع الضعفاء  وصاحبات صوت الحق وقت اللزوم.

لكن الموضوع أخذ أكثر قليلا من حجمه، ثم أخذ أكتر كتير من حقه ، فبدلا من كلمات الامتنان والشكر البسيطة، تحول الأمر لهدايا من الذهب ورحلات عمرة وأجهزة إلكترونية وتكريمات حكومية، وأصبح بيت "سيدة القطار" (وهو اللقب اللي أطلقته عليها السوشيال ميديا) فجأة و كأنه مزار لبطل شعبي، بالإضافة لإنه أصبح وجهة لكل من يريد فقرة إعلانية على حساب تصرف السيدة العفوي البسيط.

وهو اللي بيوصلنا لنقطتين، أولاهما إن أي حدث مهما كان بسيط، مهما كان عفوي، مهما كان عظيم، أصبح في عصرنا هذا بالنسبة لكثيرين مش أكتر من فرصة سانحة لإعلان ولايكات وشير وهاشتاج.

النقطة الثانية: هي في خفض سقف توقعات المتابعين لما يمكن أن يطلق عليه (بطل شعبي)، سابقا كان العمل البطولي هو حاجات شبيهة بإنك تنقذ إنسان من الغرق، تخرج طفل من بيت محترق، تغامر بحياتك في سبيل الآخرين، وقتها يبقى مبرر كل الاحتفالات والهدايا والتكريمات.

لكن قصة "سيدة القطار" مع احتراماتي الشديدة لتصرفها العفوي الطيب الناتج عن أصل ومعدن وإنسانية عظيمة، لكنها قصة هتوصلنا في يوم لقراءة أخبار زي إن وزير البيئة يكرم شخص رمى ورقة في باسكيت في الشارع، أو إن وزير الطيران بيكرّم شخص ساعد شخص تاني  إنه يحط شنطته في مكانها على الطيارة، أو إن وزير التعليم كرّم طفل سلّف زميله برّاية في امتحان الحساب.

الشكر مطلوب، والامتنان شعور منطقي، لكن حطوا الأمور في نصابها الصحيح حتى لا يظن الناس إن التعامل بإنسانية مش شيء  مطلوب من كل واحد فيهم، وإنما مطلوب فقط من الأبطال.  

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم