تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال : " إكسر ضلعي من فضلك "

سمعي
مونت كارلو الدولية

أحيانا أشعر أن هناك نوع من العذاب مخصص لمن يعيشون في منطقتنا عميقة الجذورالحضارية يتمثل فقط  في معايشة اختفاء مظاهر هذا التحضر الذي كان.

إعلان

أولا يذهب الشجر، ثم تزال المباني العريقة، ثم ينحدر الفن، ثم تتوالد أخلاق الزحام، ثم تتحول النساء اللي كانوا في وقت ما أميرات وملكات إلى مجرد ماكينات تفريخ ومواضع لتفريغ الشهوة، ثم يتحول الأطفال إلى سلال قمامة عاطفية، يرمي فيها آباءهم ذكريات فشلهم وآلامهم وغضبهم على العالم، ولا يسعنا إلا أن نشاهد ونتحسر ونستمع لتبريرات الجميع إن: الله ما هو كل ده عادي، إنتوا زعلانين كده ليه؟

الأسبوع الماضي مثلا إنتشرت أخبار عن اختطاف فتاة مراهقة، وبعد التحقيقات اكتشفت السلطات إن البنت مش مخطوفة لكن هربانة، وتم تجهيز كاميرا لتصوير لحظة لقاءها بأبويها بعد الغياب، وكانت كل الصور بتقول إن البنت خايفة منهم، ولما الصحافة استجوبتها، قالت إنهم اعتادوا ضربها بخشبة وعشان كده هربت من البيت.

وفور كتابة الخبر إنهالت تعليقات الجماهير وخاصة البنات منهن، بيتعجبوا لهروب البنت لمجرد ضربها بخشبة ومنهن من ضربت بخشب ومواسير حديد واللي اتكسر فوق دماغها كرسي واللي اتربطت لأيام في رجل السرير واختتمت التعليقات بواحدة بتحكي ان أبوها ضربها بمنشار في ضهرها وما زالت تحتفظ بالندبات كوسام على ظهرها، بل إن بعضهن تمنت عودة الأيام الحلوة دي تاني ووجهت رسالة محبة لوالدها ملخصها بيقول :إكسر ضلعي من فضلك.

الأريحية اللي كانت بتتكلم بيها البنات عن وقائع تعذيبهن والاعتداء الجسدي عليهن شيء قد يحير الأطباء النفسيين في أي مكان في العالم إلا هنا، قد يسميه بعض المراقبين الأجانب ستوكهولم سيندروم وقد يسميه البعض الآخر اعتناق الضحايا لمبدأ الشعور بالدونية، لكننا هنا بنعتبره أصول.

 جريمة مجتمعية بيشارك فيها الجميع، فقد نزع المجتمع صفة البشرية عن النساء، فالبنت لابد أن يكسر لها ضلع، وهي كائن لا يتعرض بسبب هذا الكسر لمشاكل نفسية ولا ألم جسدي، أما الأطفال فلا يمكن تربيتهم إلا بضربهم، لا يمكن أبدا أبدا أن توجد تربية بلا عقاب، أو هكذا يؤمن كل من فشل في كبح جماح غضبه وأصر أن يصب إحباطاته على كائن أضعف وأهش ولا يملك من أمره شيئا فقط لأن المجتمع بيعتبر شهادة ميلاده صك ملكيته كعبد لأبويه.

كل من يعتقد أن القسوة أبوة هو أب فاشل لا أكثر و لا أقل، كل من تظن أن كسر إبنها أو إبنتها هي مهمتها كأم، خير لها ألا تنجب من الأصل، أما كل من يركب قطار الانحدار الحضاري والإنساني فاعلم أنه عاجلا أو آجلا سيضعك نفس هذا القطار تحت عجلاته.  

غادة عبد العال

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.