تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "نص الحقيقة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

لما كنا في المدارس كانت حصص التاريخ من الحصص اللطيفة المريحة للأعصاب… صفحات من "الحقايق" الغير قابلة للنقاش … ببساطة لأنها لا تثير جواك أي رغبة من رغبات الاعتراض.

إعلان

 لما كنا بندرس درس الصراع بين "أحمس" و " الهكسوس" مثلا، كانت قلوبنا بالتأكيد مع "أحمس"... بنتمنى وبننتظر نهاية الدرس عشان نسمع خبر فوزه على "الهكسوس" الأشرار ... رغم إنه شيء بديهي إنه ينتصر ... كانت قواعد الحياة في أذهاننا وقتها بتحتم كده .

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

وكل مسلسلات "مازنجر" و"غرنديزر" و"باور رينجرز" بتأكد هذه الحقايق اللي دايما بيسخر منها الكبار ... البطل دايما في الآخر بينتصر ... والنهاية السعيدة دايما بتكون في جانب الأخيار ... وبما إن منطق كتاب التاريخ كان بيتطابق بشكل كامل مع سيناريو حلقات "غرندايزر" فما كانش فيه أي داعي للشك في إننا على صواب.
 
كانت الحقايق واضحة وساطعة، والأطراف محددة في معسكرين... خير وشر... أبيض وأسود...  شمال ويمين...  وفي كل دروس التاريخ كان بيبدو دايما إن مدرس التاريخ يمتلك كل الحقيقة...  مافيش هوامش...  مافيش كواليس...  مافيش شكوك.
 
لما كبرنا ودخلنا معترك الحياة اكتشفنا الحقيقة المرعبة ... إن مافيش حد بيمتلك كل الحقيقة ... إنما هي نصف الحقيقة أو أقل في أي صراع ... ما فيش حاجة في تعليمنا أبدا كانت بتجهزنا لمعارك زي اللي بنعيشها حاليا ... المعارك اللي فيها أطراف متداخلة وحقايق مموهة وأصدقاء وإخوة وأحباء موجودين في معسكري الصراع ... بيخلوا من الجنون إنك تنحاز لمعسكر منهم بشكل تام تجاه المعسكر التاني ... لأنك في الحالتين هتخسر كتير.
 
على مشارف الحرب الأهلية أو سنوات العنف اللي المصريين خايفين من الدخول في دوامتها وفي نفس الوقت متوقعينها حاليا، يصيب الأجيال الشابة مننا الحيرة وعدم الفهم ... كل يوم بنشوف عشرات الصور والفيديوهات وبنقرا عشرات الشهادات المتضاربة من النقيض للنقيض بيخلينا نحس إن كلمة "الحقيقة" كلمة خيالية ومزيفة... مافيش حقايق... أو بمعنى أصح لا يمكن أبدا تعرف الفرق بين الحقيقة والزيف... إنما كلها وجهات نظر... تتأثر بالطرف اللي انت متعاطف معاه... وتحورها مشاعرك وأحاسيسك وقناعاتك بشكل يخلي من المستحيل إن أي حد عايز يوصل للحقيقة كاملة مهما حاول.
 
الثورة التكنولوجية وثورة الإعلام اللي حلمنا إنها توصلنا في يوم لمعرفة الحقيقة الكاملة بعيدا عن تزوير وانحياز أو على أقل تقدير تجميل كتب التاريخ ... للأسف أصبحت أداة أقوى من عصا الساحر اللي بتقلب الحق باطل ... وبتصور المقتول على إنه قاتل. وبتسحر أعين الناس وتخليهم يشوفوا العصيان تعابين ... بشكل خلا أنصاف الحقايق اللي كنا بندرسها زمان في حصص التاريخ هي مطلب بعيد المنال.
 
غادة عبد العال
 
*المدونة باللغة العامية

 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.