تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

وديع الصافي

سمعي
مونت كارلو الدولية
إعداد : نجوى بركات
4 دقائق

لم يمت وديع الصافي شابا وقد رحل عن عمر يناهز الثانية والتسعين. ولم يكن فنانا ملعونا من أولئك الذين نحزن على انقصاف موهبتهم باكرا. عاش وشبع عيشا، محاطا بأبنائه وأحفاده ومحبيه، هانئا قانعا.

إعلان

مع ذلك، يصيبنا في رحيله شجنٌ كذاك الذي نشعره عند رحيل الآباء، نحسّ أن زمنا مضى علينا وأننا، بغيابهم، ننكشف أمام الموت، كأنما كانوا يخفوننا عن أعينه فلا يلحظنا ونشعر من ورائهم أننا خالدون.

نجوى بركات روائية لبنانية ومؤسسة "محترف كيف تكتب رواية"، عملت كصحفية حرّة في عدد من الصحف والمجلات العربية، كماأعدّت وقدّمت برامج ثقافية أنتجتها "إذاعة فرنسا الدولية" و"هيئة الإذاعة البريطاني"ة،إلى جانب إنجازها عدد من السيناريوهات الروائية والوثائقية والحلقات 15 الأولى من برنامج قناة الجزيرة الثقافي "موعد في المهجر". 
كتبت نجوى بركات 5 روايات باللغة العربية صدر معظمها عن دار الآداب في بيروت وهي: "المُحَـوِّل" – "حياة وآلام حمد ابن سيلانة" – "باص الأوادِم" – "يا سلام" – "لغة السرّ" ؛ وقد حاز بعضها على جوائز وترجم إلى لغات أجنبية، إلى جانب رواية واحدة باللغة الفرنسية - La locataire du Pot de fer-؛ كما ترجمتْ "مفكّرة كامو" في ثلاثة أجزاء صدرت حديثا عن دار الآداب ومشروع "كلمة".

 صفحة الكاتبة بالفيس بوك اضغط هنا

 

 
كان وديع الصافي، في بساطته وعفويته وقلة حيلته، حائزا سلفا على انحيازنا له. رأفتنا بآبائنا وحنوّنا عليهم وقبولنا بهم، حتى بعد اكتشاف نقاط ضعفهم وبعد أن يكفوا عن أن يكونوا في نظرنا أبطالا مطلقين.
 
وديع الصافي الذي جمع القاص يوالداني على استثنائية صوته وعلى الاتساع الهائل لمداه،لم يكن يملك شخصية استثنائية. كانت ثمة مفارقة غريبة في التناقض القائم بين صوته الإلهي وشخصيته الأكثر من عادية، بين فنه هائل السعة ووعيه المنقوص لمعنى فنه، بين موهبته التي لا تضاهى وثقافته المحدودة.
لذا ربما بدا الرجل في مرحلة متقدمة من حياته خشوعا متهيّبا مما أعطي له، فراح نحو التراتيل والأناشيد والمزامير، لحنا وغناء، كأنما ليقول لخالقه أنا العبد الأمين الخادم المتواضع لا أدري لم اخترت أن أكون أنا الصوت، لكني شاكر لك أمين على الأمانة.
 
لو كان وديع الصافي أكثر جاذبية، أقل عادية، أشد دهاء، أقل بساطة، أقل سذاجة، لو كان أكثر ثقافة، حنكة، عصرية، لو كان محاطا بمن يكمل ما كان ينقصه، لكان من الخطورة بمكان ولكان،بسحر صوته وبروعة بعض ما غنّى، ليسيطر طويلا على أجيال بأكملها.
 
لكنه وديع الصافي، الرجل الطيب ذو الصوت الذهبي الذي كلما سمعناه، شهقت له قلوبنا مرددة: آه ثم آه ثم آه.
 
نجوى بركات

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.