تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

نجوى بركات :"وين؟"

سمعي
مونت كارلو الدولية

كان نهارا عاديا خرجت فيه صباحا لأودِع ابنتي دار حضانتها وأنصرفَ من ثم إلى مهامي على اختلافها.

إعلان

 

 

كان نهارا جميلا أيضا من نوع تلك الأيام التي يطيب لبيروت إهداءنا إياها أحيانا، أيام ربيعية دافئة في عز الشتاء، أو خريفية منعشة في قيظ الصيف.
نجوى بركات روائية لبنانية ومؤسسة "محترف كيف تكتب رواية"، عملت كصحفية حرّة في عدد من الصحف والمجلات العربية، كماأعدّت وقدّمت برامج ثقافية أنتجتها "إذاعة فرنسا الدولية" و"هيئة الإذاعة البريطاني"ة،إلى جانب إنجازها عدد من السيناريوهات الروائية والوثائقية والحلقات 15 الأولى من برنامج قناة الجزيرة الثقافي "موعد في المهجر". 
كتبت نجوى بركات 5 روايات باللغة العربية صدر معظمها عن دار الآداب في بيروت وهي: "المُحَـوِّل" – "حياة وآلام حمد ابن سيلانة" – "باص الأوادِم" – "يا سلام" – "لغة السرّ" ؛ وقد حاز بعضها على جوائز وترجم إلى لغات أجنبية، إلى جانب رواية واحدة باللغة الفرنسية - La locataire du Pot de fer-؛ كما ترجمتْ "مفكّرة كامو" في ثلاثة أجزاء صدرت حديثا عن دار الآداب ومشروع "كلمة".

 صفحة الكاتبة بالفيس بوك اضغط هنا

 

كان مزاجي رائقا ومؤشّرُ إقبالي على الحياة في مستواه الإيجابي الذي يرسم ابتسامة الرضا على شفتي ويجعل الهواء يصل إلى عمق رئتي بسلاسة ودونما انقطاع.
 
وقفت أنتظر سيارة الأجرة، فأقبلت. ركبتها وأطبقت الباب بتأنّ رغبة مني بإرضاء السائق، فعاجل هو يستقبلني بوجه بشوش وبتحية صباح دسمة فاحت منها رائحة الصابون، فازددتُ طيب مزاج وكِلتُ له الصاع صاعين.
 
تموضعت على المقعد الأمامي، بعد أن نقدته أجرة الطريق، ورحت أتمتع بمرأى عواميد إشارات السير التي يذكّرني وجودها في كل مرة، بأن الحرب الأهلية ولّت إلى غير رجعة ومعها كل الخراب والدمار.
 
كانت الإشارات، واحدة  تلو الأخرى، تخضرّ عند مرورنا، كأنما عدوى مزاجيْنا الرائقيْن انتقلت إليها، إلى أن أشارت إحداها بالتوقف مشعلة ضوءها الأحمر، فامتثل السائق والتفت إلى يساره حيث كان راكبُ درّاجة نارية يحكي على هاتفه الجوّال.
 
قال راكب الدراجة بعبوس وبصوته الذي لم تتبدّل نبرتُه:"وين"؟ فالتفت السائق إليّ وقال: انفجار!
شهقتُ وقبل أن أستوضحه الأمر، كان سائق السيارة يسأل عن مكان وقوعه، قبل أن يعود إليّ مؤكدا: عندما سمعته يسأل أين، عرفت أنه انفجار.
 
ليس مهما أن أحدّد عن أي انفجار أتحدث، فلنا في لبنان كلَّ أسبوع خبرٌ كهذا ينسف نهارنا، ينسف قلوبنا، ويطفئ شمس أرواحنا التي تتمدّد هي الأخرى قتيلة على الأرصفة، مضرّجة بالدماء.
 
فكلمة "أين؟" لم تعد في قاموسنا ظرفَ مكان، وإنما مواقع جرائمَ تحصدنا بالمئات.
 
نجوى بركات

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن