مدونة اليوم

جمانة حداد: "الجميلة والوحش"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في أحد الأيام، سوف تفرغ سوريا من أهلها. سوف تسقط البراميل على أحياء فارغة، ومنازل مهجورة إلا من ذكرياتها. سوف لن يعود ثمة من يبكي ابنه، أو أخاه، أو أمّه. في أحد الأيام، لن يبقى في سوريا سوى القتلة، وأشباح جرائمهم.

إعلان

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

 هذا ما كنتُ أفكّر به وأنا أشاهد الأفلام الوثائقية التي عرضت أخيراً في المهرجان السينمائي لحقوق الإنسان في جنيف، حيث ذهبتُ لأشارك في لجنة التحكيم.

شاهدتُ أحد عشر فيلماً، لا أعرف، صدقاً، كيف استطعتُ من بعدها أن احتمل الحياة. كانت صور الرعب والظلم تتوالى أمام عينيّ، من قصة الإبادة الجماعية التي قام بها الخمير الحمر في كمبوديا عام 1975، وصولاً إلى المجازر التي ارتكبت في حق "التوتسي" في رواندا عام 1994، مروراً بقضية أنجيلا ديفيس وفظائع التمييز العنصري في أميركا في الستينات من القرن الفائت.

لكن هذه المشاهد التي كنتُ أتشربها بمرارة وألم، والتي تكشف أكثر ما تكشف عن البشاعة التي يمكن أن يصل إليها الجنس البشري عندما يتعرى من إنسانيته ويصبح آلة حقد وقتل، كان يشفع بها في الأقل أنها تروي آلاماً ماضية: لن أقول إنها آلام "منتهية"، فتلك إهانة في حق ضحاياها، لكن الدماء فيها توقفت عن النزيف.

هذا ما لم يكن في وسعي أن أقوله، أو أن أعزي نفسي به، بينما كنتُ أشاهد الفيلم الوثائقي الرائع، "العودة إلى حمص"، لمخرجه طلال ديركي، الذي يروي فصلاً من فصول مأساة لا تلوح لها نهاية في الأفق، وتتعرض خلالها الجميلة سوريا للتشويه والتعذيب على يد وحشٍ يعامل مواطنيه كالذباب.

في أحد الأيام سوف تفرغ سوريا من ناسها، ولن يبق للوحش ذبابة واحدة يقتلها، إلا نفسه.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم