تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد :" تبّاً وشكراً"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

أعرف أن التطور التكنولوجي الذي يشهده زمننا هو، من نواح كثيرة، نعمة. لكنّ هذا التطور يشعرني أيضاً، من جهة ثانية، بنوع من الإرهاب الممنهج الذي لا خلاص منه لمن إرادتهم ضعيفة مثلي، وأثق أن آخرين يشاركونني الرأي نفسه.

إعلان

هاكم المراحل اليومية لوقوعي في الفخ: أستيقظ في ساعات الفجر الأولى، وأول ما أفعله هو النظر الى هاتفي المحمول. أتجاهل العصافير التي تغرّد على شرفتي، والسكينة التي تدعوني الى وليمتها بحنان وخفر، وأغرق على الفور في عالم الايميلات والرسائل والاتصالات التي وردت خلال غيابي القسري بسبب النوم.

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

 

 
أما فنجان القهوة الصباحي، فلا يحلو طعمه أمام مشهد البحر الممتد أمامي بكل روعته، بل أرتشفه حصراً أمام شاشة الكومبيوتر، كمن تقاصص نفسها، حيث أطلع على آخر الأخبار المستجدة على عالمنا التعيس، ومعظمها، كما تعلمون وأعلم لا يدعو الى التفاؤل في أقل تقدير. ثم أعرّج، طبعاً، على الفايسبوك والتويتر، لكي أمعن انتقاماً من معنوياتي غير العالية أصلاً.
 
هكذا أمضي النهار بطوله وعرضه في مكتبٍ ضيّق اسمه اللاب توب، أكتب من هنا وأقرأ من هناك، وأدور على نفسي كمثل فأرة عالقة في حلقة مفرغة، وأكرر في رأسي: تباً لهذا الإدمان.
 
ولكن يأتي المساء، فيتصل بي ابني البكر من لندن عبر السكايب: أرى وجهه البهي، وأكاد أحس به قربي، فأشعر أني ناكرة لجميل التطوّر: في لحظة أنسى السيئات كلَّها، وأتذكر كم أني محظوظة مقارنة بوالدتي التي، عندما سافر ابنها الى الولايات المتحدة في سن الثامنة عشرة، كانت تنتظر أشهراً لتتلقى منه رسالة ورقية تطمئنها عنه وتبرّد قلبها المشتاق.
 
تباً لك أيتها التكنولوجيا الحديثة، ولكن شكراً لك أيضاً.
 
بل شكراً لك خصوصاً.
 

جمانة حداد

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.