مدونة اليوم

جمانة حداد: "غنم"

سمعي
مونت كارلو الدولية

كلما راقبتُ الناس في هذا البلد، ازداد يقيني بأن اللبناني لا يفعل في هذه الحياة سوى الهرب من نفسه.

إعلان

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

 أنظر مثلاً إلى الجموع الساهرة في الملاهي الليلية، فأشعر أن الذين يتراقصون ويشربون ويضحكون، غالباً ما يفعلون ذلك رغماً عنهم، بل أكاد أقول نكاية بأنفسهم. كما لو أن الحياة مهمّة ينبغي إنجازها، أو فرض مدرسي. كل شيء في لبنان مسرحية.

كأني بالبشر هنا يقولون: أبعدونا عن ذواتنا. جنبونا تلك المواجهة. لا نريد أن نعرف شيئاً. لا نريد أن نرى شيئاً. لا نريد أن نفهم شيئا. لا نريد أن نقرر شيئا على وجه الخصوص. حركوا خيوطنا فحسب ونحن نمتثل.

أنظر أيضاً إلى جماهير الزعماء، فأكاد أرى رؤوس بطيخ متتالية ومتشابهة: لكأن الزعيم موجود لينسى الناس أنهم أفراد، لهم آراؤهم الخاصة، وآمالهم وخيباتهم الفريدة من نوعها. لكأن الزعيم مخدر للوجود الفردي وهمومه وأوجاعه. يقول له الأتباع: لا نريد أن نفكّر، فكّر أنت عنا. لكنه، بدلا من أن يفكر عنهم ولأجلهم، يأخذهم إلى الهاوية: هاوية مطامعه الأنانية وجيوبه الجشعة ومصالحه الضيقة. رؤوس بطيخ منقادة إلى السكين بسعادة وهناء، طالما أنها مقتنعة أنْ لا شيء في وسعها فعله حيال هذا المصير.

هروب بالجملة والمفرق: الموظف يهرب، المدير يهرب، رب العائلة يهرب، التلميذ يهرب، المعلم يهرب، رئيس البلدية يهرب، السياسي يهرب، الناخب يهرب: الكل يتغنى بالمسؤولية، ولا احد يريدها. لكأن سر السعادة هو أن تشعر بالعجز. بأنك مسيّر وأسقط في يدك ولا حيلة لديك.
الغنم في هذا البلد أكثر من الهم على القلب. حتى الرعاة المزعومون غنم في قطعان آخرين، من بلدان أخرى.

أنّى التفتتُ لا أسمع إلا الثغاء. فهل ولى زمن الزئير إلى غير رجعة؟

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم