تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "ثقافة أحمر الشفاه"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أذكر أني عندما كنتُ طفلة، كلما كان أحد الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران يثني على شكلي في حضوري، كان والدي أو والدتي يسارعان إلى القول: "لكن الأهم أنها الأولى في صفها".

إعلان

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

هكذا ارتبط عندي الإحساس بالفخر منذ الصغر بإنجازاتي العلمية، وارتبط احترامي لذاتي واعتزازي بنفسي بمدى براعتي في الدراسة. لم أكن أعي في تلك الأيام أن تهميش أهلي للشكل على حساب المضمون كان جزءا من رؤيتهما التربوية، ولم أكن أشعر بالحرمان أو النقصان أو حتى الاختلاف، لأنهما كانا يغدقان عليّ الكتب بدلاً من الألعاب والدمى. صار الموضوع في صلب فطرتي وهويتي وطبيعتي وأسلوب تقييمي لذاتي.

إذا كنت أروي هذه القصة اليوم، فلأني قرأت أخيراً عن افتتاح مركز للتجميل يوصف بأنه "فريد من نوعه" في بيروت، كونه يخصص مساحة للفتيات الصغيرات، يتاح لهنّ فيها تعلّم طرق وضع الماكياج وتصفيف الشعر وطلاء الأظافر واختيار الملابس التي تليق بأشكالهنّ منذ سن التاسعة أو العاشرة. يتبجّح المركز المذكور بأنه يتيح بذلك للأمهات الراغبات في الاعتناء بأنفسهنّ اصطحاب بناتهنّ معهنّ، ما يفسح مجالاً أكبر، على ما يزعم، للتواصل والتواطوء والتقارب الأنثوي بين الأم وابنتها.

أحزنني هذا الخبر، كي لا أقول استفظعته. فما يُقرأ بين سطوره هو أن التواطوء الأنثوي قائم على المظهر وتفاصيله، وأن واجبات الأم الصالحة تقضي بتدريب ابنتها منذ نعومة أظفارها على التركيز على هذا المظهر لأنه هو "الأساس". أكره أن أبدو متطرّفة، ولكن أي رسالة ننقل لهؤلاء الفتيات اللواتي سيصبحن نساء الغد؟ لستُ ضد الاعتناء الموزون بالشكل، ولكن أين الاعتناء بالفكر والثقافة أيضاً، لا بل خصوصاً؟

نحن في بحر هائج، ونتمسّك بأقلام أحمر الشفاه. فكيف لا نغرق؟

جمانة حداد

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.