تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "حد أدنى من اللياقة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

كثيراً ما يفاخر أبناء لبنان وبناته بقدرتهم على تجاوز الاحباط الخانق الذي يطوقّهم وإظهار تمسّكهم بالأمل وبغدٍ أفضل. تراهم مثلاً يخرجون للرقص بعد ساعات من انفجار سيارة مفخخة ووقوع عشرات القتلى ويقولون: هذا برهان عن حبّنا للحياة. لن نستسلم لليأس. نريد أن نعيش على الرغم من كل شيء.

إعلان

 إن حبّ الحياة هذا قد أصبح للبعض محض ذريعة لتبرير لامبالاتهم: لامبالاة وصلت في المرحلة الأخيرة إلى درجات مقلقة ومَرَضية. أن نرقص بينما ثمة أمّ تبكي ابنها الجندي المخطوف في حيّ مجاور: هذا انعدام احساس. أن نغنّي بينما ثمة لاجئون ينامون في الخيم معرضين للبرد والجوع: هذا قسوة وقلة إنسانية. أن نقهقه في بيروت بينما يجري تبادل اطلاق نيران في طرابلس: هذا منطق "من بعد حماري ما ينبت حشيش"، وهو المنطق نفسه الذي أفضى بنا الى الهاوية أصلاً، وسيظل يفضي بنا إليها.

 

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

لا أدعو هنا الى اليأس والاستسلام، ولا بالتأكيد الى اعتماد الخطاب المضاد، المقيت بالدرجة نفسها، القائم على تمجيد الموت و"الشهادة" وجلد الذات والبكاء عليها، بل أدعو تحديداً إلى وعي الأسباب العميقة التي تمثل وراء هذه اللامبالاة، وفي مقدّمها انهيار مفهوم المواطنة القائم في الأساس على التعاطف والتكاتف وعلى سلّمٍ من القيم لا يجوز الاستمرار في تجاهله أو هدمه.
 
نحن كمَن يريد في الظاهر أن يقنع نفسه بشيء، في حين أنه في الباطن يفعل عكسه تماماً، واعياً أنه منفصم ومتناقض. نحن نظنّنا نعشق الحياة، لكننا نشارك مشاركة منتظمة ودؤوبة في تدمير ركائزها الأساسية، المادية والرمزية على السواء.
 
انا لا أطالب بتحقيق المعجزات، بل فقط باحترام الحدّ الأدنى من المواطنة: أن نكون لائقين تجاه أنفسنا وتجاه الآخر في الآن نفسه.
لا أكثر، لا أقلّ.
جمانة حداد

 

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن