تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "جميعنا كاميرات"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

في السوبرماركت، في المصرف، في الباركينغ، في المكتب، في المصعد، في الشارع، بتنا نشهد غزوة لكاميرات مراقبة من كل حدب وصوب، والسبب واحد احد: الحفاظ على سلامة المواطن. وقد طاول الغزو حتى الامكنة التي يفترض بها ان تكون على درجة معينة من الحميمية، على غرار غرف القياس في محال الثياب مثلا. ترى كم من الأعين تتطلب مراقبة كل الناس في كل مكان وكل وقت؟ ألا يحتّم ذلك أن يصبح كل مراقَب مراقِـباً؟

إعلان

لطالما كنت من عاشقات الغفلية: أن أمشي ولا يعرفني احد. أن اشعر بأني غير مرئية. ان أعيش ذاتي من دون تفكير في عواقب مجتمعٍ ينظر ويحكم ويحاسب. حال الخفاء هذه صارت في زمننا عملة نادرة. الآن تحوّل التلصص مهمّة وفرضاً. كلنا مشتبه فينا حتى يثبت بياض سجلاتنا ونياتنا، ولا حميمية الا في حرمة المنازل (حتى اشعار آخر).

نتيجة تصاعد موجة الارهاب، بات مطلوبا ضمنيا من كل انسان ان يكون "عيناً ساهرة"، اي ان يخدم شبكة مراقبة ما، أكانت على مستوى رسمي أم خاص؛ ان يؤدي دور الخفير؛ ان يرصد محيطه ويحرسه من كل تهديد محتمل. ناطور البناية لم يكن يوما "ناطورا" بمعنى الكلمة كما هو اليوم، ولم يعد مأخذا أن تراقب الجارة الشارد والوارد، بل اصبحت هذه الآفة الاجتماعية واجباً اخلاقياً مبرراً.

هكذا، ثمة من يعرف دائما اين انا، وماذا انا فاعلة، ومع من، وكيف، ولماذا، وذوقي في الطعام، فضلا عن مجموعة كبيرة من عاداتي السيئة. يشبه الأمر فيلم رعب. لكنه واقعنا المعاصر.

اليوم، لم يعد عالم جورج اورويل خياليا: إننا عالقون في عام 1984، حيث الكلّ يتجسس على الكلّ.

جميعنا كاميرات يا أصدقائي والصديقات، فـ... ابتسموا.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.