تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "فضول القطة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

تكلف ضابطة الإف بي آي الشابة بقضية جدييدة ذات تفاصيل مثيرة. قاتل متسلسل متخصص في قتل ضحاياه أمام كاميرات الإنترنت. وعلى الرغم إنه هو اللي بيختار الضحية وطريقة قتلها لكن اللي بيختار التوقيت وطول فترة عذاب الضحة هم متابعين موقعه الإلكتروني.

إعلان

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

ببساطة بيعلن عن الضحية ويحطها قدام الكاميرا وبتتعدد وسايل القتل. بين الحرق عن طريق لمبات كبيرة بتصدر عنها كمية هائلة من الحرارة اللي بيحدد عددها ودرجة حرارتها وعداد مرتبط بعدد المتابعين للحدث على الموقع الإلكتروني. أو عن طريق الإذابة في سائل كاوي بيتحدد تركيزه بنفس الطريقة. كل ما عدد المشاهدين والمتابعين زاد. كل ما زاد تركيز السائل الكاوي وأذاب الضحية قدام عيون الجميع. القاتل كان بيعتمد على صفة إنسانية طبيعية لكنها في الحالة دي بتتحول لأداة شريرة قاتلة ألا وهي صفة الفضول.

ده باختصار ملخص أحداث فيلم أمريكاني حديث ورغم إن الفيلم خيالي وغير مبني علي أحداث حقيقية لكن أظن إن أنا وانت متأكدين إن السيناريو ده قابل جدا للحدوث دلوقت. بل وبيحصل كل يوم حتى لو ما كانش بنفس هذه المباشرة. فيديوهات الدبح والحرق حيا. وصور الجثث والضحايا والمصابين. أنهار وبحار الدم اللي بتخللي المشاهدين متسمرين قدام الشاشات وأصابعهم بتضغط على زرار الـ"ريبلاي" مرة واتنين وتلاتة عشان ما تفوتهومش تفصيلة من التفاصيل. نظرة عين الضحية، توسله، دموعه، سقوطه، أنفاسه الأخيرة ثم رحيله عن الحياة.

أحيانا باتساءل إيه اللي بيدفعنا نعمل كده؟ إيه اللي بيشدنا قوي في جمل زي "شاهد اللحظات الأخيرة". أو "شاهد كيف يتم ذبح" أو "شاهد المذبحة أوالمجزرة". إيه اللي بتستفيده لما بتتطفل على اللحظات الأخيرة لحد بيموت بأبشع طريقة. إيه اللي بتحس بيه وانت بتتابع جريمة مكتملة الأركان. هل هونوع من أنواع طمأنة النفس. الحمدلله إن أنا مش مكانه دلوقت؟ هل هو نوع من أنواع التفاخر بإن ظروف الحياة ما حولتكش لقاتل أولضحية؟ هل هو محاولة منك لتحريك مشاعرك اللي أحيانا كتير بتحس إنها تجمدت في العالم المادي اللي احنا بنحياه؟

هل هي فرصة عشان تعيط بدون ما يكون السبب نابع من حياتك اللي انت مش عايز تعترف إنها فعلا كئيبة وتستاهل العياط؟ نشر فيديوهات القتل والذبح تضمن لأي موقع إخباري عدد مهول من المتابعين. اللي بيترتب عليه إشتهار الموقع وبالتالي زيادة نصيبه من حصة الإعلانات. إنتشار فيديوهات الحرق والسحل بتضمن للقاتل هدفه المنشود وهو إنه يبقى القاتل الجبار اللي بيثير في الكل الخوف والفزع وبيضمن سيطرته على منطقة أو مجموعة من الناس بيحققله انتصار معنوي.

إنت اللي بتعمله بمشاهداتك للفيديوهات اللي بتخضع بعد فترة لطريقة العرض والطلب طالما بيتفرجوا يبقى ندبح ونصور كمان. لكن إنت بأه بتستفيد إيه؟ ليه بتصمم تمتهن جلال لحظات أخيرة في حياة بني آدم ما تعرفوش؟ ليه بتزيد في عذاب أهله اللي بيبقى الفيديو موجود أمام عيونهم في كل مكان؟ ليه بتزود قوة عدو مش بعيد عنك وممكن تقع رقبتك تحت سكينته في يوم من الأيام؟ ليه بتقتل كل يوم جزء من آدميتك؟ مش حاسس إنك خلاص اتعودت على رؤية الدم والجثث والأشلاء؟

قلبك جمد وقسي وأصبت بحالة من اللامبالاة قربت تخليك تعامل البني آدمين كل البني آدمين كأشياء زمان كانوا البشر بيتريقوا ع الحيوانات اللي بتتصرف بدون عقل وبيحكوا مثلا حكاية الفضول اللي قتل القطة. دلوقتي فضولنا بالفعل بيقتلنا واحد ورا واحد ويوم ورا يوم.

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.