تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال : " إبن موت"

سمعي
مونت كارلو الدولية

من مدة قصيرة قمت بتنظيم ورشة عمل خاصة بالكتابة الإبداعية في إحدى الجامعات المصرية.. كان من ضمن التدريبات اللي اقتبستها من كتاب أمريكي عن كتابة الرواية والقصص القصيرة، تدريب بيشجع كل مشارك على الكتابة عن حادثة مؤثرة مر بيها..

إعلان

 

النتايج اللي حققها التمرين مع المشاركين الأمريكان كانت قصص بتدور حوالين حوادث طفولية زي : أطفال بتتوه .. وصف للقاء مع حيوان في سيرك .. محاولة السيطرة على كرة آيس كريم فوق بسكوتتها بدون ما تسيحها شمس الصيف الحارة .. أو حكاية عن محاولات الوصول للطريقة الصحيحة لقيادة عجلة بعد مرات عديدة من السقوط ..
 

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

النتايج الأمريكية حتى لو كانت بتتكلم عن حوادث بدنية، إلا إنها كانت دايما مغلفة بغلاف ملون من النهايات السعيدة أو الدروس المستفادة أو بتدور تحت شعار "الضربة اللي ما تقتلكش تقويك" ..
 
أما في الورشة المصرية فكانت كل الحكايات عن الموت.. عن عذابات وآلام اللحظات الأخيرة .. عن الإحساس بالفقد والضياع .. عن الحزن العميق الذي ليس له قاع .. عن الظلم الذي أدى للموت أو ترتب عليه..
 
ولما سألت مستغربة عن السبب اللي خلى كل المشتركين بدون أي استثناءات يتكلموا عن الموت، اكتشفت إن فكرة الموت بتحتل فعلا جزء كبير من تفكيرهم ..
 
ولما حاولت في جلسة تانية أجس نبضهم عن الموضوع .. اكتشفت إن كل واحد فيهم قضى أوقات كتيره يفكر في الموضوع ده لدرجة إن كل واحد فيهم كان محدد بالظبط موتته المفضلة ..
 
أكترهم كان نفسه يموت وهو نايم .. يحاولوا أهله الصبح يصحوه ما يصحاش ويرحل في هدوء وهي دي الموتة اللي اتفق عليها معظم الموجودين ..
 
لكن البعض الآخر فضل إنه يموت بعد مرض طويل.. عشان تتاحله الفرصة يودع اللي بيحبوه ويتوب عن ذنوبه اللي هو متأكد إنها كتيره .. شخص تاني قرر إن الموت غريق هيبقي موته مناسبة ليه .. سريعه ومش هتاخد غير دقايق معدودة وفي النهاية هيبقى آخر مشهد هيشوفه مشهد جميل..
 
إنبرى آخر يدافع عن موتته المفضلة وهي إنه يموت عن طريق حادثة.. هلى الأقل ممكن يصرف لأهله تعويض وما يبقاش موت وخراب ديار .. وتكلم آخرهم عن الانتحار .. إن ازاي هيبقي شيء عظيم إنه يختار نهايته بنفسه و في الوقت المحدد لي و كان واثق إن ربنا هيغفر له لأن هو عارف ومتطلع ..
 
تابعت الحوار مذهولة وأنا مش متخيلة إن على الرغم إن الفارق العمري بيني وبينهم مش كتير إن الفروق هتبقى كبيرة كده .. في سنهم كنت أنا وزملائي كل اللي شاغل دماغنا البدايات .. الشغل .. الزواج .. الخلفة .. الحياة بمعنى أصح ..
 
بينما الظروف اللي بنعيشها حوالينا بتدفع العقول الشابة الموهوبة المتفوقة دي للتفكير في النهايات .. وكل رغبتهم و أملهم إنها تكون سريعة أو ليها جدوي أو ما تكونش مؤلمة ..
 
فوقت شوية من ذهولي و لقيت إن الموضوع فعلا منطقي. الجيل ده من الشباب يستحق بجدارة لقب جيل "إبن موت" .. بيحاوطه الموت من كل جهة .. اتربوا على أصوات أهاليهم وهم بيهتفوا "بالرح و الدم" نفديك" لأي طاغية ..
 
علموهم في المساجد إن أحلى شيء في الدنيا هو الشهادة هي أفضل بكتير من الحياة والقيام بعمل صالح .. وهتافات ع القدس رايحين شهداء بالملايين .. بديلا عن القدس رايحين وهنرجع منتصرين مثلا ..
 
جيل بيشوف كل يوم شعر أبيض على كراسي السلطة وشعور سوده بتضمها القبور .. جيل بنقفلها في وشه كل يوم أكتر من التاني، وفي الآخر مستغربين هو ليه يائس هو ليه بائس هو ليه بيتمنى الهروب ولو حتى للعالم الآخر ..
 
جيل مش هنفهمه لأننا لسه ما فهمناش نفسنا .. لكن لازم نعيد تفكير على الأقل في الرسايل اللي بنقدمهاله في كل ثانية من كل يوم، لأن هو ده الجيل اللي المفروض هيكمل المشوار وهيبني المستقبل .. ولو كل اللي بيفكر فيه هو الموت .. أظن المستقبل يبقى واضح قوي شكله هيبقى إيه بالنسبة لنا.   
 
غادة عبد العال
*هذه المدونة باللغة العامية*

selfpromo.newsletter.titleselfpromo.newsletter.text

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.