مدونة اليوم

جمانة حداد: " لستُ ديناصوراً يا ماما"

سمعي
مونت كارلو الدولية

إبني الحبيب،لا أتذكر الشيء الكثير من طفولتي. ربما لأنني، بطبيعتي، أحب أن أعيش الحاضر بكل ما اؤتى من تركيز، وأن أعصره عصراً حتى آخر نقطة. أما عندما أسهو عنه، فأفضل أن يشغلني التفكير بالغد ومخططاته، لا بالماضي وحنينه.

إعلان

 

 

لا أتذكر الشيء الكثير من طفولتي لكنها، في ذهني، تكاد تتماهى في شكل كامل مع نشاط واحد، كان مستحوذاً علي تماماً، هو القراءة. كنت أقرأ في زاويتي المفضلة في منزل جدّيك، أو على مائدة الغداء، أو ليلاً تحت الغطاء على ضوء المصباح اليدوي، أو في المدرسة بين الحصص، لا بل خلال الحصص احياناً. وكنت اقرأ أيضاً وخصوصاً في الملاجىء التي كنا نهرع اليها هرباً من القصف في تلك الأيام السوداء.
 

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

 
وللعلم يا حبيبي، لم أكن أقرأ لـ"أستفيد". كنت أقرأ لأتسلى. لأحلم. لأتنفس. لأشعر. لأسافر. كنت أقرأ مثلما أنتَ اليوم تلعب البلاي ستايشن. أو تثرثر على الواتس آب. أو تذهب الى السينما. كانت الكتب هي سلواي، ولم يكن متاحاً لي، تقريباً، أي ترفيه سواها. وعيي لفوائد القراءة وكنوزها جاء بعد وقت طويل من استمتاعي بها. المعرفة والثقافة والإنفتاح كانت النتيجة لا الحافز. كانت أضراراً جانبية رائعة لم أحسب لها أي حساب. الحساب الوحيد كان للذة الهائلة التي أجنيها من تلك الكتب.
 
اليوم، أسمعك "تكفر" قائلاً: "أفّ! مين إلو جلادة يِقرا؟"، ثم أراك لا تمسك بكتاب إلا مكرهاً كأن القراءة قصاص... فأكاد ألعن ساعة التطور التكنولوجي الذي وضع في متناولك الكومبيوتر والآي باد والهاتف الذكي والفيديو غايمز.
لستُ ديناصوراً يا ماما، وأعرفُ أن زمنك زمن آخر، بمراجع مختلفة، ولكن كم يحزّ في قلبي أنك لن تختبر يوماً نشوة أن يغيّر كتابٌ واحد، لا بل جملة واحدة أحياناً، حياتكَ.
جمانة حداد

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن