تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جدتي الأرمنية

سمعي
مونت كارلو الدولية

جدتي كانت أرمنية. أقول "كانت" لأنها انتحرت عندما كنت في السابعة من العمر، بعدما أنهكتها الخناجر التي لم ينفكْ العيشُ يرميها بها.

إعلان
 
ما زلتُ أذكرها ممدّدةً على أرض المطبخ، الرغوةُ البيضاء تطفح من فمها، بسبب السمّ الذي كان وسيلتَها إلى الموت. ربّما تتساءلون كيف يسمح أيّ أهل لطفلةٍ برؤية مشهد مروّع كهذا؟
 
ليس الأمر وكأنّ والديّ أرادا لي أن أرى ما رأيت، لكنّ المسألة وما فيها أنّنا اكتشفنا ما حصل – أنا وهما - في الوقت عينه. أتراني أندم على دخولي إلى المطبخ يومئذٍ؟ البتة. في حينها كنتُ قد اعتدتُ الموت، إلى درجة أنّ رؤيتَه وجهًا لوجه أو السماعَ عنه كانا ليتركا فيَّ الأثر نفسه. الخسارة الحقيقية بالنسبة إليَّ كانت إدراكي أنّني فقدتُ إنساناً أحبّه.
 
كنتُ أعرف أن شقيقة جدتي الكبرى انتحرَتْ هي الأخرى. ليس الأمر مستغرباً، فالعالم بأسره كان ضدَّهما، هي وجدّتي. لقد شهدتا في صغرهما مجزرة الأرمن وفظائعها، خسرتا والديهما بأبشع الطرق، ثمّ شُرِّدتا من بيتهما في عينتاب، وهربتا إلى حلب، حيث نشأتا في ميتم وعاشتا حياة بؤس ومعاناة.
 
أجل، جدتي كانت أرمنية، وقد خسرتها عندما كنت في السابعة من العمر، لكني لم أعتبرها يوماً ميتة: ظللتُ أخاطبها واستمرت علاقتنا على مرّ السنين.
 
لكني كلما سمعتُ عن مجزرة جديدة في العالم، وكلما قرأت عن أبرياء تُزهَق أرواحهم، أو عن لاجئين يرتجفون جوعا وبردا، رأيتني أفكر: لو لم تقتل جدتي نفسها عام 1978، لكانت بالتأكيد فعلت ذلك الآن، بسبب العنف الدموي الذي لا يزال يمارس على هذه الأرض، وأيضاً وخصوصاً، بسبب تقاعس المجرمين الذين ارتكبوا الإبادة في حق الأرمن لمئة سنة خلت عن الاعتراف بجرائمهم.
ترى كم من المرات ينبغي أن يموت القتيل قبل أن تتحقق العدالة؟

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن